دولة الأسياد والعبيد (2)

2015-01-04

جميع الدول التي مرت بحالة (الأسياد والعبيد) ينقسم فيها المجتمع عادة إلى أربع طبقات :

الطبقة الأولى : 

طبقة الأسياد بالطبع، وهي الأسرة المالكة في الممالك والسلاطين والإمارات، وفي الدول الاستبدادية المتخلفة مثل مصر هي طبقة العسكر (أي الجيش)، والجيش فقط.
وهذه طبقة محددة، واضحة المعالم، جامعة مانعة، فلا يدخل في هذه الطبقة غريب عنها، ولا يخرج منها من هو فيها، والاستثناءات في ذلك قليلة جدا.
في الأسر المالكة يتم توريث الطبقات، وفي دولة العسكر تصبح الرتبة والانتماء للمؤسسة بمثابة (الدم الملكي)، ومع مرور الوقت، يحدث شكل من أشكال التوريث داخل المؤسسة، فترى الضابط ابن الضابط حفيد الضابط ... الخ !


الطبقة الثانية : من الممكن أن تسميها طبقة (الشماشرجية) !


وهذه الطبقة تبدأ من أول قيادات الشرطة إلى السفرجي الذي يخدم سيادة اللواء (لواء الجيش)، مرورا بكل المستفيدين من طبقة العسكر، من رجال أعمال، وإعلاميين، وأعضاء برلمان، وقيادات تنفيذية، و(المؤسسات الشامخة)، وغيرهم.
كل هؤلاء يصنفون ضمن هذه الطبقة، وإذا أردت دليلا على ذلك، فاستمع بنفسك للسيد اللواء ممدوح شاهين وهو يقول بمنتهى البساطة (الواد بتاع مصلحة السجون كان مع سيادة العميد فلان)، هل تعرف من هو (الواد) الذي يتحدث عنه بكل هذا الاحتقار؟
إنه لواء شرطة، في موقع رفيع، فهو مساعد وزير الداخلية لشؤون السجون، ولكنه ليس من الطبقة الأولى.
أما سيادة العميد، فهو عميد في القوات المسلحة، أي أنه من الطبقة الأولى، لذلك تحدث الرجل بطبيعته العنصرية، وعلى سجيته، فالأول (واد)، والثاني (سيادة العميد)، ولا عزاء لأي أحمق لا يريد أن يفهم !
لذلك أقول إن أشد الناس سذاجة اليوم هم ضباط وزارة الداخلية، فهم يظنون أنهم أسياد البلد، وأنهم من الطبقة الأولى، والحقيقة أنهم مجرد (شماشرجية) لطبقة الأسياد، أي للقوات المسلحة، لذلك لم يتحرك أحد من أجل تبرئة الضباط في حادثة سيارة الترحيلات إلا لأن أحد الضباط ينتمي إلى أسرة ضابط جيش، وإذا تحرك أحد في قضايا أخرى لتبرئة الضباط فتأكد لأنهم أتباع الطبقة الأولى، لا لكونهم من طبقة السادة.
ضباط الداخلية يضعون أنفسهم في مواجهة مع الشعب، ولكنهم في النهاية سيدفعون الفاتورة باهظة وحدهم، وسيدفعون الفاتورة بحيث يصبح ما حدث في جمعة الغضب 28 يناير 2011 وكأنه (لعب عيال) مقارنة بما سيحدث بعد ذلك، فالانتهاكات التي قامت بها الشرطة في حق الأطفال والنساء والشيوخ تكفي لبناء أهرامات من الأحقاد والرغبة في الانتقام.
ونسأل الله السلامة لمصر ولكل أبناءها.

الطبقة الثالثة : طبقة "عبيد المنازل"

وهؤلاء العبيد من غير الفقراء، يجدون قوت يومهم، ويحتاجهم المستبد لأنهم يجيدون أشياء يحتاجها، ولكنهم لا يخدمونه بشكل مباشر عادة.
إنهم عبيد، ولكن قد تجد بعضهم يملك ملايين الدولارات، لأنه طبيب كبير، أو مهندس عظيم، أو فنان موهوب، أو تاجر شاطر ... الخ
كل هذه الطبقات عبيد في نظر الطبقة الأولى، ولكنهم عبيد من ذوي الياقات البيضاء، وبالتالي تتم استباحتهم بحساب، وفي أوقات الضرورة (مثل أيام الحرب على الإرهاب) قد يتم استباحتهم بلا ضرورة، والاستباحة هنا تكون متاحة للطبقة الأولى بالضرورة، والثانية بالتبعية، وفي حالات معينة قد تصبح الاستباحة للطبقة الأولى فقط.
هؤلاء قد تجد كثيرا منهم يتحيزون للحكم العسكري، وسبب ذلك أنهم تربوا على الذل، فهم لا يعرفون أن مصلحتهم الشخصية، وأرباحهم المهنية، وفوائدهم الأسرية، مرتبطة بدولة القانون، لا دولة الاستبداد.
إن دولة القانون تخدم أول ما تخدم هذه الطبقة بالذات، لأن دولة القانون هي الضامن لتكافؤ الفرص، وهؤلاء هم أصحاب المواهب والقدرات المتميزة، ولو أتيحت لهم الفرص لتصدروا، ولكنهم لا يتصدرون إلا بعد أن يلعقوا الأحذية، ويبيعوا ضمائرهم، فيخسرون احترامهم، ومهنيتهم، ويصبحون خدما لأسيادهم، ينبحون ضد كل داعية للإصلاح، ولا يدرون أنهم أعداء أنفسهم.
لا يفوتني هنا أن أنبه على أن هؤلاء مهما فعلوا لا ينظر لهم السادة من الطبقة الأولى إلا على أنهم أقل شأنا منهم، حتى لو أصبحوا عساكر، لذلك ستجد من التقاليد العريقة أن الضابط الطبيب أو المهندس (الفنية العسكرية) ليس مساويا للضابط الذي يدخل الكلية الحربية.

الطبقة الرابعة : "عبيد الحقل"

هؤلاء هم أدنى الطبقات، وهم في مصرنا يمثلون تسعين بالمائة من الشعب على الأقل !
هؤلاء لا وزن ولا حرمة ولا حقوق لهم !
هؤلاء إذا قتلهم السادة فإن قتلهم (أيا كان) قتل خطأ، ومالهم مستباح، وأعراضهم حلال، وحقوقهم لا تصان، وبيوتهم بلا حرمة، وخصوصياتهم مفضوحة، وشهادتهم مجروحة.
هؤلاء هم العساكر الغلابة، وهم وقود محرقة الأنظمة العسكرية في كل مكان.
هؤلاء هم طبقة المعارضين السياسيين، حتى لو كانوا عسكريين، حين يصبح العسكري معارضا يدخل في أدنى طبقات العبيد في نظر الدولة، وكذلك كل المعارضين، من أي اتجاه، وبأي مرجعية، وأيا كانت مطالبه، فكل من يعارض العسكري يصبح كما قال السيد اللواء عباس (حاجة) !
أتدري ما معنى (حاجة) التي قالها السيد اللواء حين قال كلمته التاريخية (الحاجة وتلاتيه واحد بتوع عربية الأمن المركزي)؟
الحاجة هنا تعني (متعلقات شخصية)، (أملاك خاصة) !
في مشهد شهير في إحدى الروايات يجلد الرجل الأبيض أحد العبيد حتى يموت، فيقول له عبد آخر معترضا : (سنقتص منك أمام يسوع)، فيرد الرجل العنصري الأبيض بكل ثقة، وبلا ندم، ودون أن يهتز له جفن : "لن يعاقبني الله على إتلاف ممتلكاتي" !
نحن أمام أعينهم (عبيد) أي (ممتلكات) (حاجات) لا أكثر !!!
سيسألني متفذلك قائلا (وهل يقتل أحد عبيده؟ وهل يتلف مالك ممتلكاته؟)
والإجابة : بالتأكيد !
إذا كنت تاجرا ورأيت تفاحا فاسدا في صناديق التفاح، فإنك ستتلفه وتعدمه فورا لكي تحافظ على بقية الشحنة.
هكذا ينظر العسكري للمعارضين، بيض فاسد، تفاح فاسد، عنب فاسد، ويجب إعدامهم كي لا يعدي بقية العبيد.
وهذا واضح كل الوضوح في التسريبات.
سيسألني متفذلك آخر : إذا كانت طبقة العسكر تساوي طبقة الأسر الحاكمة فلماذا لم تزدهر مصر في عهد العسكر منذ الخمسينات إلى الآن كما ازدهرت في عهد أسرة محمد علي مثلا؟
والإجابة بسيطة : الملك كان يحافظ على البلاد لأنها (بتاعته) !
أما العساكر فلا يعنيهم الحفاظ على ثروات البلاد أو تنميتها لأنها (مش بتاعتهم) !
الملك يشعر بملكية هذه البلاد له شخصيا، ولأسرته الممتدة في الماضي الراسخة في الحاضر القادمة في المستقبل، وهذا معنى من معاني أن تكون ملكا، تتم تربية أبناء الأسر المالكة عليه منذ الصغر.
أما العساكر ... فإنهم لا ينظرون للبلاد بهذا الشكل، بل يرونها فرصة تكسب لا أكثر، فهم في حقيقة ثقافتهم وتعليمهم مماليك لا ملوك.
فتراهم يتعاملون مع الدولة بطريقة (اهبش واجري)، أي (hit and run) !

بقيت عدة أسئلة لا بد من الإجابة عنها، أولها : هل يمكن أن يرتقي المرء (طبقيا) في هذه الدولة؟

والإجابة يمكن، ولكن تظل الطبقة الأولى مخصصة لأهلها، ومع طول الوقت، ستجد الانضمام لها أصعب وأصعب، فإذا صرت ضابطا، سيقدم عليك الضابط ابن الضابط، وسيقدم على هذا الضابط ابن الضابط حفيد الضابط ... والخ
وستجد هذا الداء قد استشرى في كل مكان، وترى طبقة (الشماشرجية) يتشبهون بأسيادهم في هذا التوريث، بل قد تجد بعض العبيد – ويا للهزل – يحاولون أن يقلدوا في ذلك أيضا !

السؤال الثاني : هل توجد طبقات أخرى داخل هذا المجتمع؟

الإجابة : توجد طبقات أخرى، وبعضها طبقات يخترعها الأسياد عمدا لكي يفرقوا الناس، فهم دائما يخشون أن يقف الناس صفا واحدا ضدهم.
فتراهم يفضلون مناطق على مناطق، وأديانا على أديان، ومهنا على مهن، وعنصرا على عنصر، وكل ذلك بهدف تفريق الناس، وإيقاع العداوة والبغضاء بينهم.

السؤال الثالث : هل يمكن أن تقيم هذه الدولة العدل؟ بمعنى أن تتقي هذه الطبقة الحاكمة الله وتختار أن تعدل بين الناس؟

والإجابة : مستحيل، لأن معنى العدل كلمة يكرهها هؤلاء، نعبر عنها في العامية المصرية بقولنا (تتساوى الروس) !
هل يمكن أن يقبل هؤلاء بأن (تتساوى الروس)؟
الواقع العملي يقول إنهم على استعداد لارتكاب المجازر للحفاظ على امتيازاتهم، وإذا عدت للتسريبات ستجد أن الطريقة التي يتعامل بها (الأسياد) لا توحي بأي إمكانية مراجعة اختيارية في التنازل عن موقع السيد !
في النهاية ... كيف يمكن أن ننتصر على دولة الأسياد والعبيد؟
والجواب : بإقامة دولة (تتساوى فيها الروس) !
كيف ذلك؟
سأجيب في مقالات لاحقة بإذن الله، وآمل أن يكون ذلك في وقت قريب.
عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

للتعليق على المقال بموقع مصر العربية