فى مديح الشك

2012-08-09

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 9-8-2012 م 

 

بعض الناس يظن الشك حراما، وهو بذلك يغفل عن أن كبار العظماء فى التاريخ أناس شكوا فى مسلماتهم، وراجعوا معتقداتهم ومعتقدات آبائهم، فغيروا الدنيا ودخلوا قائمة المجد، واهتدوا وهدوا سواهم إلى الخير والحق. 

 

صحابة الرسول عليهم الصلاة والسلام شكوا فى معتقدات آبائهم، ووصلوا إلى الإيمان عن طريق الشك، فكانوا نعم الطليعة الإنسانية الهادية إلى سواء السبيل. 

 

الله سبحانه طلب منا أن نمارس هذا الشك العلمى المنهجى، ولام الذين لا يمارسون هذا الشك، فالله أعطانا أدوات التفكير لكى نفكر، قال تعالى: «وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ»، فاعتبر الله سبحانه من لا يمارس الشك أضل من البهائم، لأن البهائم لم يؤتها الله وسائل الشك والبحث العلمى، بينما أعطاها الإنسان، فإذا لم يستخدمها صار أضل من هذه الأنعام. 

 

وعاب على من يرث ديانته دون تفكير، فقال تعالى: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ». 

 

الشك العلمى مطلوب، ولكن هناك شكا آخر غير علمى، هناك شك بهدف المعرفة، وشك آخر بهدف التحرر من قيود الأخلاق. هناك شك حميد، وشك خبيث، كيف تفرق بين الشكين.. الحميد والخبيث؟ الشك الحميد مصدره قوة الإنسان، والشك الخبيث مصدره ضعف الإنسان أمام شهواته، وإن زينت له نفسه حقيقة ما يفعله. 

 

الشك الحميد يأخذك إلى المكتبة، والشك الخبيث يأخذك إلى البار! قد يأخذك الشك الحميد إلى البار برهة، ولكنه سيذهب بك حتما إلى المكتبة فى نهاية الأمر. 

 

الشك طريق اليقين، ويقين ما بعد الشك يقين راسخ، شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها فى السماء. الإيمان تقليدا للآباء والأجداد إيمان ضعيف، وهو فى رأى كثير من العلماء المسلمين غير مقبول، والإيمان الذى يقبله الله سبحانه وتعالى هو ذلك الإيمان الذى تخالط بشاشته القلوب، ويستطيع أن يقنع العقول. 

 

الإيمان نعمة من الله، وهى النعمة الكبرى التى يهبها الله من يشاء من عباده. نسأل الله أن يتوفانا مؤمنين.

رابط المقال على موقع اليوم السابع