استبداد الفشلة

2014-03-05

المقال منشور بجريدة مصر العربية بتاريخ 5-3-2014 م

وهل هناك استبداد للناجحين؟  شهوة السلطة يقع فيها البر والفاجر، والعالم والجاهل، والقوي والضعيف، والمثقف والتافه، ولكن كل صنف من هؤلاء يتصرف بشكل مختلف عن الآخر.  هناك أنواع من المستبدين، بينها قواسم مشتركة، وبينها أوجه اختلاف، ومن أهم مشكلاتنا في الوطن العربي أن غالبية حكامنا المستبدين كانوا من المتخلفين دراسيا، وكانوا من غير المثقفين، وكانوا يكرهون العلم والعلماء.  من أسوأ ما فعله هؤلاء أنهم أسسوا لعهود من الجهل، وجعلوا غالبية مناصب الدولة حكرا على الذين يصلون لدرجة النجاح (على الحُرُكْرُكْ). هل تعلم عزيزي القارئ أن الكلية الحربية في تركيا لا يدخلها إلا من يحصل على مجموع كلية الطب عندنا؟  هل تعلم أن غالبية الدول العربية أسست منهجا جديدا مع سبق الإصرار والترصد يعتمد على توريث كافة المناصب الهامة في الدولة لأبناء المسؤولين الفاشلين، وهؤلاء الأبناء يجتازون اختبارا واحدا في حياتهم، هو اختبار "كشف الهيئة" !  سيخرج لك الآن من تحت الأرض كاتب تافه ويقول لك "المجموع ليس دليلا على شيء، والحاصلون على أعلى المجاميع ليسوا أكثر من حفظة، يحفظون المنهج الدراسي (صم)".

 
ومن الذي أوصل النظام التعليمي إلى هذه الدرجة من عدم الكفاءة؟  إنهم الأشخاص الذين قلنا عنهم، إنهم الفشلة الحاصلون على درجة النجاح بالعافية، أو بالغش، إنهم الذين يصلون لأعلى المناصب لأنهم أبناء فلان وفلانة، أو لأنهم دفعوا مبلغ كذا لفلان أو فلانة، ولم تعترض عليهم الأجهزة الأمنية لأنهم مع السلطان، ولا يمكن أن يعارضوا أي رغبة من رغبات السلطان.  سيخرج عليك سفيه آخر ويقول : "المثقفون لا يفعلون شيئا إلا الكلام، وهؤلاء يعملون في صمت"، ولكن يظل السؤال مطروحا، من الذي استبعد المثقفين والمتعلمين والمتفوقين من كل أماكن العمل، لدرجة أنهم أصبحوا لا يملكون إلا الكلام؟  إنها دولة الجهل والجهلاء، دولة المتخلفين دراسيا، دولة الناجحين بالــ"برشام" !  ألا توجد كفاءات في الشعب المصري؟ أين عباقرة هذا الشعب؟  تريد أن تعرف؟
 
ها هي الإجابة :


"كشف الاتحاد العام للمصريين في الخارج، عن أن تعداد المصريين العاملين في الخارج يبلغ حاليًا 9 ملايين و 750 ألف مواطن، وأن تعداد علماء مصر في الخارج 86 ألف عالم، وأن مصر تأتي في المركز الأول في عدد العلماء على مستوى العالم". الإجابة مفزعة، مصر لا مكان فيها للمتفوقين، إنها بلد الفشلة، ولو أن شخصا مثل مجدي يعقوب أو فاروق الباز أو محمد العريان لم يهاجروا إلى الخارج، لكان مصيرهم الآن أنهم أساتذة جامعة يركضون خلف السبوبة، ويكدحون من أجل بيع المذكرات للتلاميذ، ومن أجل استغلال طلاب الدراسات العليا لديهم وكأنهم عمال سخرة، ومن أجل توظيف أولادهم كمعيدين في الجامعة حتى لو لم يكونوا مستحقين لموقع أستاذ الجامعة !
 
تعال نكمل التقرير الذي أصدره اتحاد المصريين في الخارج : "أوضح «الاتحاد»أنه يوجد في مصر 1883 عالمًا مصريًا في تخصصات نووية نادرة، مشيرًا إلى أن إجمالي مدخرات المصريين في الخارج حتى نهاية ديسمبر 2011، بلغت 147 مليار دولار، بما يمثل ضعف الاستثمارات الأجنبية الموجودة في مصر".
 مبسوط؟ هل أدركت كيف يطرد الحكم العسكري القائم على الجهلة كل الكفاءات؟ إياك أن تقول لي هذا بسبب حكم مرسي، لأن هذا الأمر عبارة عن تراكم ستين عاما من استبداد الفاشلين الجهلة.
 
لنكمل البيان :
 
"ولفت البيان، إلى أن من بين المصريين في الخارج 42 عالمًا مصريًا في وظيفة رئيس جامعة، إلى جانب وزير بحث علمي، في كندا مصري الجنسية، إلى جانب وجود ثلاثة مصريين أعضاء في مجلس الطاقة الإنماني، الذي يتكون من 16 عضوًا، وكذلك يوجد 3 آلاف عالم مصري في أمريكا من كافة التخصصات. وأوضح «الاتحاد»، أنه اعتمد في معلوماته بشأن تلك الإحصائيات على مركز الاتحاد والإحصاء التابع للأمم المتحدة، وبعض المراكز البحثية فى أوروبا، وأمريكا، وروابط العلماء، ورؤساء الجاليات الإسلامية في الخارج".  بعض السذج يظن أن هؤلاء رصيد للدولة المصرية، والحقيقة أن مصر بسبب المتخلفين دراسيا لن تنتفع بهؤلاء، لأن الدستور العظيم أقصى الحاصلين على جنسية أخرى، كما أن دولتنا العظيمة تعتبر كل من عمل في الخارج خائنا، كما أنها تعتبر كل صاحب اتجاه فكري أو سياسي مشتبها فيه، وبالتالي لن تستطيع هذه الدولة المتخلفة أن تستفيد من هؤلاء ! وفي ظل هذه الأجواء تستطيع أن تفهم كيف تمكن ذلك المعالج بالأعشاب أن يتصدر مشهدا علميا لا علاقة له به، وأن يفضح مصر والمصريين على رؤوس الأشهاد.
 
ستظل الدول العربية دولا متخلفة، ولن نتقدم إلا بعد أن يتنحى الفاشلون في دراستهم، لكي يأتي مكانهم مجموعة من المنتخبين ذوي الكفاءات الحقيقية، ليصلحوا ما أفسده الذين حكموا بالواسطة، أو بالتوريث، أو بكارت توصية من "أونكل" أو "طنط" !  عاشت مصر للمصريين وبالمصريين ...

للتعليق على المقال أو الاستماع إليه