قتلنا الكواكبى مرتين..!

2012-09-24

التحقيق منشور بجريدة اليوم السابع 24-9-2012 م 


يموت العظماء موتا مجازيا، لأن امتداد ذكرهم يقيهم الموت، وكما قال شوقى: دَقـَّـاتُ قَلْبِ المَرْءِ قَائِلَةٌ لَـهُ         

إِنَّ الحَيَاةَ دَقَائِقٌ وَثَــوَانِ فَاحْفَظْ لِنَفْسِكَ بَعْدَ مَوْتِكَ ذَكْرَهَا فَالذِّكْرُ للإنْسَانِ عُمْرٌ ثَانِ إلا فى بلادنا..! 


فقد يموت العظماء ألف مرة بسبب التجنى عليهم بعد موتهم، وإهمال ذكرهم من بنى جلدتهم. 


أحدثك اليوم عزيزى القارئ عن علم من أعلام الأمة العربية والإسلامية، الشيخ الجليل، ابن حلب الشهباء، عبدالرحمن الكواكبى. 


ولد الشيخ عبد الرحمن الكواكبى فى حلب عام 1855م «وفى تاريخ ميلاده خلاف»، واستشهد فى القاهرة عام 1902م، دَرَسَ الشريعة، ولم يكتف بما درسه، بل طلب العلم حتى أصبح موسوعة علمية، فى السياسة والاقتصاد والاجتماع والفلسفة وغيرها. 


عمل فى المحاماة والصحافة والتجارة، ثم ارتحل إلى القاهرة سعيا وراء الحرية، فقد كانت مصر فى ذلك الوقت بعيدة عن قبضة الدولة العثمانية، وفيها من الحرية ما لا تجده فى بلاد الشام. فى مصر نشر أعماله، وأعظمها كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد». 

 


كنت دائما أقول لأصدقائى، ولكل من عمل معى فى شتى المواقع فى الحركات الوطنية إن أهم كتاب لا بد أن يقرأه المصريون والعرب بعد كتاب الله وسنة رسوله هو كتاب «طبائع الاستبداد»، ولو كان الأمر بيدى لقررته على الطلبة والطالبات فى المدارس، وإنى لأدعو القائمين على أمور التعليم فى الدول العربية، وأخص دول الربيع العربى، أن يدرجوا هذا الكتاب ضمن المقررات. 

 

لقد دفع الشيخ الكواكبى حياته ثمنا لما يؤمن به، فقد قتل بسم دُسَّ له فى فنجان قهوته، هنا فى القاهرة، وما كان ذلك إلا عقابا له من المستبدين لأنه رسم خريطة التخلص من الاستبداد. 

 


لقد أكرمه أجدادنا مرتين، فقد أكرمته القاهرة حيا، فنشرت له كتبه، وصنعت له مجده، وأكرمته حين قتل، وذلك بدفنه فى مقبرة تليق به، ورثاه كبار الشعراء. مقبرة الكواكبى فى باب الوزير وقف عليها حافظ إبراهيم، ورثى صاحب القبر قائلا: هُنَا رَجُلُ  الدُّنْيَا، هُنَا مَهْبِطُ  التُّقَى هُنَا خَيْرُ مَظْلُومٍ، هُنَا خَيْرُ كَاتِـبِ قِفُوا واقْرَأوا (أُمَّ الكِتَابِ) وسَـلِّمُوا عَلَيْهِ  فَهَذَا القَبْرُ  قَبْرُ الكَوَاكَبِى آهٍ لو يعرف حافظ إبراهيم مصير هذا القبر الذى ضم رجل الدنيا، وخير كاتب! 

 


آهٍ لو يرى حافظ إبراهيم مصير هذا القبر الآن..! لقد تحوَّل إلى مقهى! انظروا إلى الصور، وقارنوا بين شكل المقبرة فى السبعينيات، وشكلها المهين الآن! 

 

إن ما نفعله فى رموزنا لأمر مخجل، وإن القاهرة خزانة لعظماء الأمة العربية والإسلامية، ولا يحق لنا أن نهينهم بهذه الطريقة، لأنهم – فى حقيقة الأمر – ليسوا ملكا لنا وحدنا، بل لكل عربى مسلم نصيب فى هذه الرموز، ومن المؤلم أن تصل درجة الاستهانة بهؤلاء العظماء أن تصبح مقبرة عبدالرحمن الكواكبى «قهوة بلدى»، وهو صاحب أهم ما ألف فى علم الاجتماع السياسى على مدى عدة قرون. 

 


تحدثنى السيدة ضحى الكواكبى، حفيدة الشيخ، والألم يعتصرها عن الجلال الذى كان يشعر به كل زائر لهذه المقبرة قديما، وعن الألم الذى يدمى قلب كل من يرى المفارقة المؤلمة الآن. 


إن ثورات الربيع العربى، ومنها ثورة يناير المجيدة، ما هى إلا غرس بدأه مفكرون كبار منهم عبدالرحمن الكواكبى، وإنى لأتمنى أن نرد الجميل لهذا الرجل العظيم بأن نقيم سياجا لائقا بهذا القبر الذى بكى عليه حافظ إبراهيم، وبكت عليه الأمة كلها. 


المطلوب الآن من السيد محافظ القاهرة الدكتور أسامة كمال، وهو رجل محترم حسن السيرة، أن يقوم بنقل هذا المقهى إلى مكان آخر دون تشريد لصاحبه، لكى لا نكون قد أغلقنا بيتا يترزق منه مسكين، لا يعرف قدر صاحب القبر، ولا يقصد الإساءة له. 

 

وبعد ذلك تقوم المحافظة بالإجراءات اللازمة لتحويل هذا القبر إلى أثر مسجل، لأنه قد مضى عليه أكثر من مائة عام، وبذلك نكون قد أكرمنا الكواكبى مرتين، حيا وميتا، بدلا من أن يقول المغرضون إن المصريين قد قتلوه مرتين! فهل من مجيب؟

رابط المقال على موقع اليوم السابع