جبل المغارم

2013-03-05

هؤلاء المعارضون، أما الموافقون فحدث ولا حرج، جميع القوانين تصاغ وتكتب لصالحهم، وإذا أرادوا أن يعملوا فى عمل فيستحيل أن يصاغ له قانون - مثل تجارة المخدرات أو تهريب الآثار مثلا - فهنا تغمض أجهزة الأمن عيونها عنهم لكى لا تنغص عليهم عملهم. اليوم، أصبحت السياسة مغرمًا لا مغنمًا، فعدسات المصورين وحدها تكفى لتنغيص حياتك ولمنعك من المشى فى الشارع، ومن الممكن أن يحاصرك الناس وأن يعتدوا عليك لأى سبب من الأسباب.

 

من يغامر بممارسة السياسة اليوم رجل جرىء، وأعرف العشرات من المحترمين الذين يريدون أن يدخلوا هذا المعترك، لديهم الإخلاص ويملكون مؤهلات خدمة الناس، ولكنهم يخافون من خوض هذا البحر اللجى، وبسبب أجواء الاستقطاب المسممة قرروا أن يتفرجوا من بعيد، أو أن يدعموا من يقتنعون به فى الخفاء.

 

إذا استمر هذا الأمر فسوف نصل فى النهاية إلى نتيجة كارثية، وهى أن جميع أصحاب الكفاءات لن يتقدموا لخدمة الوطن، وسيصبح هناك عزوف كامل عن العمل العام، وبالتالى سيسهل على أى مجموعة من الناس ذات أى توجه أن تستولى على الدولة كلها، ولا يشترط فى هذه المجموعة سوى أن تكون ذات «جلد تخين»، وتماسك تنظيمى يحميها من التفكك. ستصبح المناصب الرسمية دُولَةً بين هؤلاء، ولن تستفيد مصر من مواهب أبنائها، ولا من كفاءات علمائها، وستترسخ ظواهر الاحتكار والتوريث فى الحياة السياسية.. واجبنا اليوم أن نكسر هذه الظاهرة، واجبنا الآن فى هذه اللحظة التى ما زالت فيها الدولة المصرية فى طور التشكل والتكوين أن نمنع استئثار أى فصيل بمصر، وأن نقاوم ابتلاع أى جماعة للدولة، وأن نقدم للناس نماذج مشرفة من السياسيين الصابرين على ابتلاء المزايدات والاتهامات بالباطل، وإذا لم نفعل ذلك اليوم فتأكدوا أننا سنعانى لسنوات طوال من احتكار سياسى قد يطول.. كلمتى الأخيرة لكل المزايدين: لكم اجتهادكم، ولغيركم اجتهاده، فكفوا عن إلقاء الحجارة والمولوتوف على كل من يخالفكم الرأى، لأن المقدمين على ممارسة السياسة اليوم لا مغنم يحركهم، لأن السياسة قد أصبحت جبلاً من المغارم، وليُعِن الله من يحمله على ظهره إذا كان مخلصًا.