أين الميدان؟

2013-01-31

«ميدان التحرير» أصبح رمزا للحرية فى العالم كله، وما أبلغ كلمة الشهيد الشيخ عماد عفت الذى كان يقول لأحبابه: «إنى أشم ريح الجنة فى الميدان»! جمع هذا الميدان طاقة من الحب ربما لم ترها مصر فى تاريخها كله، وتذكرَتْ فيه مصر ذاتها، فعاش فيه المسلم مع المسيحى، والشباب مع الشابات، والغنى مع الفقير، والكبير مع الصغير، والليبرالى مع الإسلامى، والمتعلم مع الأمى، فى تناغم تام، فكان بوتقة صهرت كل المصريين، إنه مجلس صلح عقدت فيه اتفاقية صامتة بأن يعيش المصريون أمة واحدة لا يفرقهم شىء، ولا يوغر صدورهم أحد. 


عشنا فى الميدان أجمل أيام العمر، واستمر ذلك لعدة شهور، وليس لثمانية عشر يوما فقط كما يتصور البعض، فقد استمرت «أخلاق الميدان» إلى شهر يوليو «وافق رمضان»، وبعد أن دخلت الشرطة العسكرية إلى داخل مسجد عمر مكرم بالبيادات، وبأعلى صوت سبوا دين الآباء والأمهات، وبعد أن اعتقلوا من اعتقلوا، وضربوا من ضربوا، بدأت حالة الميدان تتغير، وبدأت حالة الاستقطاب تخطف الميدان يمنة ويسرة، فتارة يطير الميدان إلى «قندهار»، وتارة أخرى يعود إلى القاهرة، وتارة يقترب من باريس، وأخرى يذهب إلى «الرياض»، وخلال رحلات الميدان تلك كانت أخلاق الميدان تختفى تدريجيا! فى عهد مبارك كانت هنالك بقعة صغيرة تعبر عن الحرية، كانت تلك البقعة «سلم نقابة الصحفيين»، وقد ابتذلت هذه البقعة مع الوقت، فأصبح كل صاحب حاجة يقف على السلم مهما بلغت تفاهة مطلبه. لم أكن أتخيل أن ميدان التحرير بعظمته وجلاله سيمتهن امتهانا أسوأ بكثير من امتهان سلم نقابة الصحفيين قبل الثورة. 


لقد أهين الميدان سياسيا بالاستقطاب، وها هو يهان أخلاقيا بتركه فريسة لتجار المخدرات والدعارة والمتحرشين. حوادث التحرش التى سجلت فى الذكرى الثانية للثورة تدعونا جميعا إلى الخجل، «بلغت 23 حالة حسب تقرير مركز النديم»! لقد أغلق بعض الحمقى هذا الميدان منذ أسابيع طويلة، ثم تركوا اعتصامهم المزعوم، وأصبح الميدان فى قبضة مجموعة من المجرمين، وأنا أقول بأعلى صوت هؤلاء لا علاقة لهم بالثورة، الذين اعتصموا فى الميدان وتركوه، والذين يسيطرون عليه الآن، كلاهما مجرم يسىء لهذا المكان، ويجب أن يطردوا منه. آخر مرة مررت فى الميدان اختنقت بما رأيته اختناقا لم تنجح فيه قنابل الغاز، وخرجت منه وأنا أسأل نفسى: «أين الميدان؟» قاتل الله مدّعى الثورية الذين سلموا أحلامنا لمجموعة من البلطجية!