هذا هو الشعب المصرى

2012-12-16

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 16-12-2012 م


فى يوم من الأيام رأيت أحد أفاضل الناس يضع هذه الجملة «هذا هو الشعب المصرى» تحت صورة على الإنترنت، ففتحت الصورة لكى أرى ما بها، فوجدت مجموعة من الشباب يقرأون القرآن أثناء وقوفهم فى مترو الأنفاق أو فى إحدى المواصلات العامة.   منظر بديع، مجموعة من الشباب كل منهم يمسك بمصحفه بدون اتفاق، يتلو ما تيسر له ابتغاء مرضاة الله، مستفيدا بالوقت الذى يمضيه فى طريقه للعمل أو للدراسة. 


المشكلة أن هذه الصورة تعبر عن جزء من الشعب المصرى، ومن الممكن أن تضع نفس الجملة على صورة أخرى لمجموعة من البسطاء يأكلون الفول والطعمية، أو تحت صورة لميدان التحرير ممتلئا بالمتظاهرين، أو تحت صورة لمشجعى النادى الأهلى أو الزمالك أو المنتخب الوطنى أو لمجموعة من البنات والبنين يضحكون سويا فى مقهى! كل صورة من هذه الصور -بما فيها الصورة الأولى- تعبر عن جزء من الشعب المصرى، وليس عن الشعب المصرى كله. 


المشكلة حين يعتقد البعض أن الصورة التى التقطتها كاميرته للشعب هى الممثل الوحيد لمصر، وأن المصرى لا يكون مصريا أصيلا إلا وهو يقرأ القرآن، أو وهو يشجع المنتخب أو ناديه المفضل، أو وهو يأكل الفول والطعمية، أو وهو «يكركع» ضحكا مع زملائه وزميلاته فى المقهى. مشكلتنا أننا نعيش مع جيل من الآباء والأجداد لا يرى إلا وجها واحدا لمصر، وهو -بالمناسبة- وجه أصيل جميل، ولكنه ليس الوجه الوحيد. هذا البلد العظيم دفع ثمنا غاليا حين حكمته مجموعة من الناس من ذوى الميول العلمانية فقررت أن تقصى الدين، وأن تضطهد المتدينين، وأن تبالغ فى مظاهر «الفَرْنَجَة» بشكل يغير من الطبيعة المصرية المتدينة دون تطرف. 


اليوم.. نحن فى نفس المشكلة، فنرى مجموعة أخرى من المصريين قد وصلت للحكم، وتريد أن تقصى من أقصاها بالأمس، وأن تلغى من ألغاها فى الماضى القريب أو البعيد، فتحاول هذه المجموعة أن لا ترى من مصر إلا وجها واحدا فقط، وفى سبيل ذلك هم على استعداد لاضطهاد الفنانين، وعلى استعداد لمعاداة كثير من مظاهر الثقافة وحرية الرأى، وعلى استعداد لإقصاء المنافسين السياسيين. دستور مصر يعكس هذه المشكلة، فنرى فيه كثيرا من الأفخاخ التى تحول مصر إلى صورة واحدة من الصور، وهذا معناه أن ندخل فى سنوات من الاضطهاد الجديد. ما الحل؟ الحل بسيط.. أن يعرف الجميع أن مصر ليست شكلا واحدا من الناس، وليست وجهة نظر واحدة فى الفكر، وليس مطلوبا منها أن تكون كذلك! عاشت مصر للمصريين وبالمصريين...