القائمة السوداء

2013-01-05

المقال منشور بجريدة الشروق 5-1-2013 م 


بدأت القائمة السوداء فى عهد الرئيس المخلوع، فكانت هناك قائمة وضعت فيها بعض المؤسسات التجارية الأمريكية والصهيونية حيث دعا كثيرون لمقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية. وحين اشتعلت أزمة الرسوم المسيئة كانت هناك قائمة سوداء للشركات الدانماركية. وبعد ذلك ظهرت قائمة سوداء لنواب البرلمان من الحزب الوطنى الذين وافقوا على مد العمل بقانون الطوارئ، ولبعض رجال الأعمال الذين تربحوا بشكل غير مشروع. بعد الثورة مباشرة ظهرت قوائم سوداء لكل أعداء الثورة، من سياسيين، وفنانين، وإعلاميين، ورجال أعمال، وكانت قوائم (منطقية)، تعتمد على معلومات حقيقية، وعلى مواقف مشهرة معلنة، وكان غالبية من فيها مُصِرِّينَ على مواقفهم، أى أنهم لم يتراجعوا عن تأييدهم لظلم واستبداد النظام المخلوع، وظلوا يسيئون للثورة، ويُصَوِّرُونَهَا كعمل أحمق، أو كعمل تم بتمويل من الخارج من أجل خراب البلد. 


بعد أن بدأ الاستقطاب السياسى وبعد أن تفرق المصريون، بدأت القائمة السوداء تتجه إلى اللون الرمادى، فأصبحت هناك قوائم هى فى الحقيقة ليست سوداء، وبدا أن هناك من لا يريد أن يرى إلا لونين هما الأبيض والأسود، بينما الوضع السياسى ممتلئ بدرجات لونية كثيرة. حين اتسعت دائرة الاستقطاب السياسى بعد أحداث محمد محمود وأحداث مجلس الوزراء، وبعد أن تفرق المصريون أكثر عند انتخابات البرلمان فى 2011، وبعد أن تفرق المصريون أكثر وأكثر فى انتخابات الرئاسة فى 2012، وبعد أن دخلنا إلى فتنة الإعلان الدستورى فى 21 نوفمبر 2012، وبعد أحداث الاتحادية الدامية، وبعد أن تم التصويت على الدستور الجديد فى ديسمبر 2012.. بعد كل هذه المراحل وجدنا أنه لا يوجد شخص فاعل (أو نصف فاعل) فى الحياة العامة فى مصر، ولا توجد شخصية عامة إلا وقد تم حشرها فى قائمة سوداء صنعها حزب، أو جماعة، أو مجموعة من الناشطين، وأصبح الجميع مُعَيَّرا بأنه فى قائمة سوداء ما. 


خطورة هذه القوائم ترجع إلى أمرين، الأول أنه يخلط الأبرار بالفجار، فيصبح الجميع سواسية، من وضع فى قائمة سوداء بسبب اشتراكه فى قتل المصريين وسرقة أموالهم، يتساوى بمن وضع فى قائمة سوداء لأنه اجتهد وأخطأ (فى نظر البعض)! الثانى: أننا أصبحنا نعيش فى بلد ليس فيه احترام لأحد، بلد (مالهاش كبير)! القوائم السوادء كادت أن تسقط إحدى شركات الاتصالات الكبرى، والتجربة مؤهلة للتضخم، بحيث يصبح لكل فصيل سياسى شركاته، ويصبح من الوطنية مقاطعة شركات الفصيل الآخر. رسالة إلى كل من يتخيل أن الحياة ليس فيها إلا اللونين الأبيض والأسود، أنت مخطئ، وهناك ألوان كثيرة يراها بوضوح كل صاحب فطرة سليمة، وتقسيم العالم إلى فسطاطين أحدهما الحق والآخر باطل عمل لا يقوم به إلا شخص ساذج.. أو شرير. عاشت مصر للمصريين وبالمصريين..