مقال علف المواشي في كتاب ابن الشوباشي ..

2004-08-23

مقالة بجريدة " المصري اليوم " نشرت بتاريخ  23/8/2004 م

 

اضطررت لشراء و قراءة كتاب السيد شريف الشوباشي ، المسمى : "لتحيا اللغة العربية : يسقط سيبويه " ، و قد استغربت - بادئ ذي بدء - من مغزى العنوان ! فما الذي اقترفه "السيد سيبويه " لكي نهتف بسقوطه بعد ألف سنة من رحيله ؟

 

هل لأن كتبه لم تتوافق - مثلا - مع برامج الهواتف المحمولة لإرسال الرسائل القصيرة ؟ أم لأن " السيد سيبويه " لم يكن يحمل الجنسية الأمريكية ؟ أم هل اكتشف كاتبنا - بعد هذه السنين - أن "سيبويه " هو المؤسس الحقيقي لتنظيم القاعدة ؟ ؟ ؟ . . . حقيقة ، لا أدري سبب هتاف ابن الشوباشي بسقوطه ! و عموما . . . قيل قديما : " توضيح الواضحات من المشكلات " ، و سوف نخوض هذا الإشكال - بالرغم منا - لكي نوضح الواضح بشأن هذا الموضوع ، و سوف يتناول ردي هذا أربع نقاط ر ئيسية ، و لكن قبل أن أبدأ أود أن أبدي ملاحظة هامة تتعلق بفلسفة الكتاب ، و هي تتلخص في أن ابن الشوباشي يلقي إلينا صفحات كتابه و كأنها "علف" ، و نحن - القراء - مواشي مطلوب منها أن تأكل هذا العلف ، و تجتره ، و تتغذى به ! ! !

 

و قد اعتبر البعض ما في الكتاب نوعا من الاجتهاد المقبول ، و هدف هذاالمقال إثبات أن الكتاب لا يصلح - أساسا - أن يعتبر اجتهادا في الموضوع ، لأن شروط الاجتهاد لا تتوفر فيه ، و ذلك لأسباب أربعة .

 

السبب الأول : لأنه اجتهاد من غير أهله : فاللغة العربية ليست ملكا لكل مستخدميها ، كما يزعم ابن الشوباشي في كتابه ص19 ! ، فليس كل طبيب مؤهلا للحديث عن تطوير علم الطب ، و لا كل محام يحق أن يتكلم عن تغيير أسس النظام القضائي ، كما لا يمكن لأي "مستخدم" لجهاز الكمبيوتر - مثلا - أن يقوم بتفكيك الحاسوب ، إن دخول ابن الشوباشي في هذا الحقل أشبه بممارسة "حلاق الصحة " للطب ! .

 

السبب الثاني : لأنه اجتهاد في غير موضعه : فالأمور التي اقترحهاابن الشوباشي ليدخلها التطوير تعد من أساسيات اللغة ، بل إنها من سمات تطورها ، و العبث بها يعيدها للخلف ، فهو لا يتحدث عن تحديث المعجم أو القاموس اللغوي المعاصر ، أو عن نحت اصطلاحات علمية في شتى المجالات ، أو عن تطوير مناهج و طرق تدريس اللغة ، بل يتكلم عن إلغاء المثنى و التأنيث ! ، فنقول : ذهبوا ، دون أن نعرف هل هذا الذاهب رجل أم امرأة ، و دون أن نعرف عدد من ذهب ، واحد أم اثنان أم عشرة !

 

مع أن اللغة دقيقة و متطورة في التعبير عن هذه الحالة . . . و يتكلم عن تثبيت موقع المفعول به ، و كأن قول القائل : "نعبدك" ، مثل قوله : "إياك نعبد" ! هكذا . . . بمنتهى الصراحة أو الوقاحة ، سمها ما شئت . . . !

 

السبب الثالث : لأنه اجتهاد في غير أوانه : فالذي نعلمه أن الحالة اللغوية المريضة التي تمر بها اللغة العربية عند الجميع تدعونا لتحفيز جميع " الأجسام المضادة " ، و تحريك " جهاز المناعة " في الأمة لكي يقاوم المرض ، أما أن يكون الحل - بمنتهى البساطة - أن نستسلم للميكروبات التي تغزو جسم الحالة اللغوية ، فهذا منتهى الخبل ! ! ! .

 

لقد أحيا اليهود اللغة العبرية بعد أن ماتت ، و أصبحت لغة رسمية لدولتهم ، يتعلمونها ، و يدرسونها ، و لا يسمونها بالتخلف و الرجعية ! . . . بينما نحن نفسح المجال للأقزام كي يتطاولوا على لغة "حية " ، تحت ستار التطوير . . . !

 

السبب الرابع : لأنه اجتهاد في غير مكانه : و هذه النقطة لم يلتفت إليها أحد - ربما من الخوف - . . . فهذا الكتاب - بما فيه من هجوم على اللغة العربية ، و مقترحات تطوير مزعومة - ليس فكرا ينبغي أن يعمم على المصريين ، و بالتالي : لا يحق لابن الشوباشي أن ينشر هذا الفكر "الشاذ" بأموال المصريين ، و بواجهة حكومية ضخمة هي الهيئة العامة للكتاب ! فهذه الهيئة من المفروض أن تروج و تنشر الفكر الذي يمثل ثقافة الأمة المصرية ، و لكن يبدو أن وزارة الثقافة أصبحت في السنوات الأخيرة مخصصة " للشذوذ " . . . ! ! !

 

و أنا أتساءل هنا : هل كان من الممكن نشر هذا الكتاب في الهيئة المصرية العامة للكتاب إذا لم يكن مؤلفه من قيادات وزارة الثقافة ؟ ألا يعد هذا استغلالا للمنصب ؟ أليس هناك أعمال أهم و أجدى لمفكرين و أدباء لهم شأن كان يمكن نشرها بدلا من هذا الكتاب ؟ ؟ ؟ بقي أخيرا أن أتوجه بحديثي إلى الناقد الكبير الذي رضي أن يلقي إليه ابن الشوباشي بهذا "العلف " ، فأكله ، و ظل يجتره أسابيع و أسابيع ، حتى خشينا عليه أن ينهق أو يخور ! أقول لهذا الناقد الكبير : قد كانت لك عند الكثيرين منزلة ، و لكنك سقطت سقطة كان حريا بك أن لا تسقطها ، أما عضوية لجان التحكيم في مهرجانات السينما ، فإنك قد كنت - في الماضي - أكبر منها بكثير .  

الشاعر عبدالرحمن يوسف