الحل ... (2-2)

2009-08-16

إذن ... الانتخابات النزيهة (بالمفهوم الذي شرحناه في المقال السابق) ... هي الحل ...!
و لكن ... كيف تحل الانتخابات مشكلة مصر ...؟
السؤال ليس غبيا ، و لكنه (في نفس الوقت) ... 
شديد الغباء ...!

إنه مثل أن تقنع مجمتعا بأن الدواء يشفي ، و المجتمع لا يريد أن يصدق ذلك لأن هذا المجتمع – الافتراضي – لم يجرب في حياته دواءاً أصلا ...!

نحن الآن أمام حالة مشابهة ، فغالبية الشعب المصري (90% على الأقل) لم تر انتخابات نزيهة بأي شكل من الأشكال في أي موقع من المواقع ، و الانتخابات عملية مركبة – كما شرحنا – ، و لا يمكن أن يفهمها الناس و يدركوا مميزاتها إلا بممارستها بالفعل .

لذلك ... سوف يقول لي شخص ما : الشعب المصري فيه نسبة أمية عالية ، و لن يحسن الاختيار لو أتيحت انتخابات ...!

و سيقول ثان : الشعب المصري بسبب نصف قرن من الاستبداد أصبح لا يملك كفاءات إدارية ، و بالتالي لن يتغير الوضع .

و سيقول ثالث : الشعب المصري أصبح شعبا فاسدا ، لا يستطيع الحياة بدون الرشوة و السرقة و "الفهلوة" ... 
هذا الشعب سوف يبيع صوته لمن يدفع أكثر ...الخ ...
و سيقول آخر و آخر و آخر ...


و أنا سأفترض – جدلا – أن كل هذه الادعاءات صحيحة ، أقول : لو كان الكلام السابق صحيحا فإن الانتخابات النزيهة – أي بالشروط التي حددناها في المقالة الأولى – سوف تصلح كل هذا الفساد .

كيف ...؟
هل ستأتي الانتخابات بأناس من المريخ ؟ هل سينجح فيها ملائكة ؟ 


كلا ... الانتخابات بدون تطويل كلام تقوم بشيئين اثنين :

الأول : الانتخابات ... تضع حدًا أقصى للفساد ...
لاحظ كلامي بدقة (عزيزي القارئ) ... أنا لم أقل أنها (تقضي) على الفساد ... أبدا ...
لا يوجد حل للقضاء على الفساد ، الممكن تحجيم الفساد ، إنها مسيرة الحياة ، صراع بين الخير و الشر ، و لكن بالانتخابات النزيهة سنضع حدا أقصى للفساد .


و لو طبقنا ذلك على واقعنا ، سنجد أننا سنظل نحظى ببعض الوزراء الفاسدين ، ولكن من المستحيل أن يستمر وزير في منصبه لمدة عشرين سنة ، و هو ملاحق من السنة الأولى بتهم من نوعية : إدخال مبيدات مسرطنة ، أو تهريب آثار ، أو شذوذ جنسي ، أو تمليك أراض و عقارات لكل من يمت له بصلة ... الخ 


سيقال هذا الوزير بعد عام أو عامين ، و لن يستمر لمدة ربع قرن ...!
و حين يقال من منصبه ... ستصل الرسالة لكل السياسيين بأن لا تفوح روائحهم أكثر من حدود معينة ...!

الأمر الثاني : ستضع الانتخابات – بشروطنا السابقة – حدًا أدنى لانهيار مستوى الأداء و الخدمات في المرافق العامة .


لاحظ (عزيزي القارئ) أنني لم أقل أن الكفاءة الإدارية ستتضاعف عشر مرات في يوم و ليلة ... أبدا ... و لو طبقنا ذلك على واقعنا فإننا لن نرى نفس الأشخاص في مناصبهم و هم مسؤولون عن موت ألوف الضحايا في العبارات ، و القطارات ، أو و هم مسؤولون عن تلوث مياه الشرب بمياه الصرف ، أو وهم مسؤولون عن تدهور المستشفيات ، أو وهم مسؤولون عن انحطاط مستوى التعليم ... الخ


سيكون هناك حد أدنى من سوء الأداء و صيانة المرافق و تيسير حياة الناس ، بعدها ستأتي انتخابات ... و سيراجع الناس كشف الحساب ، وسيتخلصون ممن انهار أداؤه ، و يصححون المسيرة ...!

و بالتدريج ... سيرتفع مستوى الممارسة الانتخابية ، و سيرتفع مستوى المسؤول الإداري ، و سيرتفع مستوى رجال السياسة و رجالات الدولة ، لأن المنافسة ستكون من خلال من يقدم أفضل الخدمات ، أي أن المنافسة منافسة في الصعود و الارتقاء ...
أما الآن ... فالمنافسة في الانحطاط ...!

هذا – باختصار شديد جدا – ما تفعله الانتخابات في أي مجتمع من يريد أن ينهض ، بغض النظر عن مستوى تعليم أبنائه ، أو مستوى وعيهم ، أو مستوى الكفاءة ، بل بغض النظر عن الموارد و الطاقات المادية و البشرية ...!

لقد انتخب الأميون و الجهلاء و الفقراء حكومات رائعة ... في الهند و البرازيل و باكستان و تركيا ...
للأسف ... غالبية الناس لا يدركون أن الممارسة السياسية لا علاقة لها بالتعليم ، ويستوي فيها الجاهل و العالم ، والغني و الفقير ...!

لسببين ... 
الأول : قانوني ... و هو أن الممارسة الانتخابية من حقوق المواطنة ، و ليست من مميزات العلم ، أو الأقدمية الوظيفية ، أو الدرجة الاجتماعية ...


الثاني : عملي ... الممارسة الانتخابية لا تضر مع الجهل ...!
و أنا هنا أفرق بين أن ينتخب الناس من يمثلهم ، و بين أن يضع الناس الحلول العملية بتفاصيلها ... 
نعم ... هذا الأمر (وضع الحلول العلمية و العملية) يحتاج إلى متخصصين ، أما التوجهات العامة ليساسة الدولة ، فهذه أمور يفهمها جميع الناس ...
و تجارب الشعوب المتخلفة (أعني التي كانت متخلفة) التي ذكرتها تشهد بذلك ...

إي انتخابات حرة نزيهة في أي جماعة بشرية ، تقوم بشيئين :

الأول : تضع حدا أقصى للفساد .

الثاني : تضع حدا أدنى لانهيار الأداء .

ويستطيع جميع البسطاء أن يشاركوا في ذلك بشروط الانتخابات النزيهة التي ذكرناها في المقالة الأولى ...
و الله المسدد للخطا

* * *

في مقالتي السابقة وجهت للمدعو جمال مبارك سؤالا عن مدى إدراكه لتفاهته ، و بمقالة الصديق العزيز بلال فضل في المصري اليوم (15/8/2009) تبين أني محق ، وإني لأستغرب لهذا التافه الذي يريد رئاسة مصر ، و قد فشل في إنشاء مجموعة على "الفايس بوك" ...!

على العموم ... ليس مستغربا على من يزور الانتخابات ... أن يزور حوارا على الإنترنت ! 


عبدالرحمن يوسف
8/8/2009