( فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر ) !

2009-08-24

كل عام و أنتم بخير ...

ما أصعب أن يصوم الإنسان صوما حقيقيا في بلد مثل مصر ، فالصائم محاط بكم من المفطرات لا يمكن معها أن يصح صيام !

من أهم هذه المفطرات ... الصحف ، و أخص الصحف الحكومية !

في آخر أيام شعبان (يوم الجمعة الماضية ) نشرت جريدة الأهرام في صفحتها
(أو صفعتها) الأولى عنوانا مثيرا ، خلاصته : أن المصريين يأكلون يوميا خلال رمضان بما قيمته مليار جنيه مصري ، و قام كاتب الخبر بجمعٍ و طرحٍ و قسمةٍ و ضربٍ لعشرات الأرقام ، ليصل إلى نتيجة استهلاك المصريين لأطعمة تقدر بمليار جنيه في اليوم الواحد خلال شهر الصوم .


المعادلة الوحيدة التي نسيت الأهرام أن تقوم بها هي قسمة المليار جنيه على الثمانين مليون مصري ، و حين أجريت هذه الحسبة البسيطة ، وجدت النتيجة : 12.50 ج !

جميعنا يعلم أن المصريين لا يتساوون في قيمة إفطارهم و سحورهم ، فهناك أطنان من اللحم تلقى في القمامة يوميا في ولائم التفاخر السفيه ، و هناك من بعض الأغنياء من يفطر بما يعادل قيمة إفطار خمسين مواطن مصري (حسب المعادلة السابقة) ، وبالتالي ... هناك من لا يجد قوت يومه ...
إذن ... لا داعي لأن تعيّرنا أو تمنّ علينا الأهرام بما نأكله ...!


إن قراءة الصحف الحكومية في صباحات رمضان تجعلني أردد قول الله تعالى : "فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر" !

فما يتفوه به الإنسان حين يقرأ خبرا يتعلق بما نأكله من خضروات الصرف الصحي ، أو فواكه المواد المسرطنة ، أو حين نرى إبداعات لجنة السياسات في بيع مصر ، أو انتهاكات الشرطة لأعراض المواطنين في الشهر الكريم ... الخ ، كل هذه الأخبار "العادية" تجعلنا نتفوه بما لا يتم معه الصيام !


فإذا تركنا الصحف (أو إذا عجلنا قراءتها قبل السحور) ، فسيظل التلفاز مسلطا على صيامنا تسلط الحزب الوطني على نتائج الانتخابات ، فمع كل ضغطة على "الريموت" ترى مسلسلا أو فيلما أو نشرة أخبار تحفل بما يجعلك تنطق – على الأقل في سرك – بما يقضي على صيامك قضاءا تاما ، و تصبح – إن كنت أمينا مع نفسك – ملزما بقضاء هذا اليوم بعد رمضان !


و إذا تركنا التلفاز و نزلنا إلى الشارع ستجد أن قضاء أي مصلحة في أي إدارة حكومية سيقتضي منك رشوة أو كذبا أو سبا أو جدلا لا يصح معه صيام ، بل إن مجرد التحرك في شوارع القاهرة سيضطرك اضطرارا إلى الرفث والفسوق والجدال ، أي أن التحرك في شوارع القاهرة كفيل بإبطال الحج ... لا الصيام فقط !


سيقول لي البعض : إذن ... الزم بيتك ...!
سأقول : و حتى لو لزمت البيت ... و الله ثم والله ثم والله ... إني لأشك في كل ما أفعله من عبادات و قربات ، أيتقبل الله منا صدقة أو صياما أو قياما و إخواننا في غزة في هذا الحصار ؟ و إخواننا في العراق في هذا الدمار ؟

أيتقبل الله منا أن نعبده ... و نحن خاضعون لحكم ظالم يتحكم فينا تحكم الإله في عبيده ؟ و هو نظام ضعيف واهٍ يستمد قوته من ضعفنا ، فكأننا نعبد عجلا جسدا له خوار ...!

أحس بالشرك في كل أعمالنا ...!

نخاف الرئيس أكثر من خوفنا لله ، و نحب المال أكثر من حبنا للآخرة ، و نرجو الدنيا أكثر مما نرجو الآخرة ، و نريد العاجلة أكثر مما نريد الجنة ...!

يبدو أننا نحتاج أن نمارس حياتنا كلها "قضاءا" ... و ليس صيامنا فقط !
أخشى – في نهاية هذا المقال – أن يكون القارئ الكريم قد تفوه بالفعل بما يبطل صيامه لبقية الشهر ...!
على الله العوض ... "فَعِدَّةٌ مِنْ أيَّامٍ أُخَر" ! 


عبدالرحمن يوسف
القاهرة 19/8/2009