لجنة وتعدى!

2012-10-07

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 7-10-2012 م 


فاجأنا الزميل العزيز الدكتور عمار على حسن بمقالة طويلة من عدة آلاف من الكلمات تحت عنوان «الطريق إلى خيانة الثورة يبدأ بـ«غياب إنكار الذات»، نشرت على يومين فى جريدة الوطن منذ أيام، وقد استوقفنى فيها أنها كانت تستشهد بأعمال ما سمى بلجنة المائة، وهو أمر يعنينى شخصيا، حيث إننى كنت عضوا فى هذه اللجنة. 


بداية القول لا بد أن القارئ المنصف سيلاحظ أن عنوان المقالة غير موفق، حيث إن لفظ «الخيانة» مذموم فى مثل هذا السياق، ومذموم من رجل عرفنا عنه الاعتدال لا التطرف، بل إن فى الأمر شبهة اتهام لا ينبغى أن يخرج ممن يعرف أقدار الناس ومنازلهم، وإن مقالة الزميل العزيز قد أظهرت الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح وكأنه المسؤول عن عدم توحد قوى المعارضة فى انتخابات الرئاسة، والحقيقة أن هذا الكلام غير صحيح جملة وتفصيلا، وما يفهم من المقالة أن اتهامات «بخيانة الثورة» تطال السيد عبدالمنعم أبوالفتوح، وهذا أمر ينتقص من قدر الكاتب لا من قدر المكتوب عنه. 

 

كما قد حاول الزميل العزيز رواية أحداث «حقيقية» يفهم القارئ من سياقها أن تعنت أبوالفتوح كان الصخرة التى تتحطم عليها كل جهود لجنة المائة من أجل توحيد المرشحين، والحقيقة أيضا ليست كذلك، بل قد حاول الزميل العزيز أن يضع لمسة روائية تشويقية فى موضوع لا يحتمل مثل هذه «الدراما».


كما أنه من الملاحظ فى مقالة الزميل العزيز أن الإحن الشخصية قد تدخلت، فهو يسترجع ذكريات وأحداثا حدثت مع أشخاص بعينهم قبل الثورة «ماجد جورج، وماجد عثمان» مثلا، ويضع كل ذلك على كاهل أبوالفتوح، فيحمله وزر أنه يفتح بابه لكل الناس، وأنه يستقبل بعض من يراهم خصوما، فى وقت كان جميع المرشحين -بلا استثناء- يدخل عليهم البر والفاجر، وهى ضرورة من ضرورات الترشح لا تخفى على أحد. 

 

كما أن الزميل العزيز يحاول استرجاع ذكرياته وصولاته وجولاته مع هؤلاء الخصوم الذين يرى أنهم قد «أكلوا بعقل المرشح حلاوة»، ويعود بنا بطريقة الفلاش باك إلى مناظرات خارج موضوع المقالة، وهو أمر له إيحاءاته على مجمل الرسالة التى تصل للقارئ. ثم بعد ذلك يواصل الزميل العزيز تحميل الدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح أوزار الفشل، بعد أن يقوم بملء بعض الفراغات فى الأحداث بمخيلته، فهو يرى أن الرجل قد صَدَّقَ دراسات واستبيانات مركز بصيرة، ومركز الأهرام، والغريب أن هذه المراكز كانت تقدم نتائج قريبة لما قدمها هو ومركزه «مركز النيل للدراسات السياسية والاقتصادية»، والأغرب أن الاجتماع الذى يتحدث عنه الكاتب لم يكن له علاقة بهذه الاستبيانات من الأساس، وأن هؤلاء الأشخاص قد جلسوا مع جميع المرشحين بتكليف من الدولة. 

 

ليس صعبا أن يرى المرء تحيز الكاتب الكريم لمرشحه الصديق العزيز والأخ الفاضل الأستاذ حمدين صباحى، وليس صعبا أن تمر المقالة مثل أى مقالة فى أى موضوع، ولكن بالنسبة لى أحب أن أدلى بشهادتى أيضا فى هذا الموضوع لأنى معنى به، ولأن الحقيقة ليست ما قاله الدكتور عمار. 

 

مشكلة كثير من النخبة أنهم يظنون أنهم هم من يحرك التاريخ، وأنه لا أحد سواهم يستطيع ذلك، وهذا يدفعهم لتجاهل جهود أخرى فى نفس الميادين التى يعملون فيها. 


لقد بدأت لجنة المائة عملها، وكانت هناك مجموعات شبابية عدة تحاول توحيد المرشحين الثوريين كلهم، ومن أهم هذه المبادرات -التى كادت تؤتى أكلها- مبادرة «اتحدوا يرحمكم الله»، وكان كل من فيها من الشباب الثورى الطاهر. 


هذه المبادرة أنهت نفسها بعد أن بدأت لجنة المائة، وتراجع هؤلاء الشباب ليفسحوا المجال للجنة العظيمة الكبيرة المبجلة الفخيمة المحترمة، لجنة المائة! 


فماذا كانت النتيجة؟ تحولت لجنة المائة إلى مكلمة!، والمسؤول الأول عن ذلك المجموعة التى تدير هذه اللجنة، وعلى رأسها الدكتور عمار على حسن، والدكتور عبدالخالق فاروق، والدكتور كمال الهلباوى وغيرهم. إن الأزمة الحقيقية فى هذا الأمر أننا لا نريد أن نواجه الحقيقة المرة، وهى أن المسؤول الأول عن إعاقة اتحاد المرشحين كان لجنة المائة نفسها، وهذا ليس اتهاما مرسلا، فهذه اللجنة هى من تصدت للموضوع، وهذا أدى إلى تراجع آخرين احتراما للقامات التى تضمها، وهى من استغرقت وقتا طويلا فى توضيح الواضحات، وهى التى لم تحزم أمرها، وتركت كلا المرشحين يبنى حملته، حتى أصبح من المستحيل أن يتنازل أحدهما للآخر، وإنى لأستغرب كيف يطالب عاقلٌ الدكتورَ أبوالفتوح أن يتنازل للسيد صباحى فى الوقت الذى كانت حملة أبوالفتوح -حين طُلِبَ منه ذلك- قد وصلت لمائة ألف متطوع فى محافظات مصر كلها! من الذى يستطيع أن يخيب آمال كل هؤلاء؟ 


لم يكن السيد حمدين يملك حملة بهذا الحجم فى نفس الوقت، وهذا ليس عيبا، وليس عيبا أن يشعر بحرج أمام من عملوا معه حتى لو كان عددهم أقل، العيب كل العيب فى اللجنة التى تلكأت حتى أصبحت الانتخابات على الأبواب، فلا هى أنجزت الأمر، ولا هى تركت الآخرين ينجزونه! 


ثم إن المشكلة فى توحيد السيد حمدين والدكتور أبوالفتوح لم تكن تتلخص فى تنازل أبوالفتوح لحمدين كما يدعى الكاتب الكريم، بل كانت تتلخص فى أمرين: 


الأمر الأول: أن جميع المؤشرات التى عرضت على اللجنة والتى أشرف عليها الدكتور عمار على حسن والدكتور عبدالخالق فاروق «وما زلت أحتفظ بها حتى اليوم»، هذه المؤشرات الاستبيانات كانت تؤكد تفوق الدكتور عبدالمنعم بشكل كبير. 

وبالتالى كان غالبية أعضاء اللجنة يرون أن حمدين هو من ينبغى عليه التنازل، وكانت المطالبات بعكس ذلك غير منطقية فى نظر الجميع، وبالتالى لا مجال لاتهام أبوالفتوح بالأنانية، أو بعدم إنكار الذات، أو الهمز واللمز والتعريض بالخيانة، خصوصا أن تاريخ الرجل ملىء بإنكار الذات، ومن يقرأه يعلم ذلك علم اليقين، ولو أنه تنازل لاتهم بأنه رجل غير مسؤول. 


أما مسألة أنه كان يريد أن يحصل على أصوات السلفيين فهذه وجهة نظر تحترم طالما لم تحصل فى إطار صفقة، فلا هو قبل أن يؤيده السلفيون مقابل صفقة ما، ولا قبل توحده مع حمدين مقابل صفقة «نائب الرئيس»، وهذا فى نظرى عين الإنصاف، لقد صمم الرجل من أول لحظة وإلى اليوم على أن يفتح بابه لكل التيارات، بدون أى صفقات فى الخفاء. 

 

الأمر الثانى: أن مشكلة السيد حمدين الحقيقية لم تكن فى أن فرصه أقل، بل كانت فى خطابه السياسى الذى لا تنطبق عليه شروط المرشح المثالى فى نظر اللجنة! 

 

هذه هى الحقيقة التى يخفيها الكاتب الكريم، وهى المشكلة التى يتحرج كثير من أعضاء لجنة المائة من ذكرها، لقد ذكر الكاتب المحترم أن من شروط المرشح الذى يقع عليه اختيار لجنة المائة «أن يقبل العمل مع فريق رئاسى يمثل كل ألوان الطيف السياسى»، والمؤسف أن السيد حمدين لا ينطبق عليه هذا الشرط، فلديه مشكلة فى التعامل مع الإسلاميين، والإسلاميون غير موجودين فى حملته بأى شكل من الأشكال، وحين أصبحت المفاضلة بين «شفيق ومرسى» اتخذ موقفا غير واضح لأن أحد المرشحين ينتمى للتيار الإسلامى، بينما المرشح الذى حاول بكل الطرق أن يخلق اصطفافا وطنيا حقيقيا، وكانت حملته بوتقة تضم كل التيارات يتهم اليوم بخيانة الثورة وعدم إنكار الذات! 

 

وهذا الكلام يؤيدنى فيه كثيرون من لجنة المائة، لا أريد أن أذكر أسماء! من كل ما سبق أحب أن أوضح أن المسؤول الأول عن فشل التحالف بين أبوالفتوح وحمدين هو لجنة المائة نفسها، ويحمل هذا الوزر أمام الله ثم الشعب والتاريخ المجموعة التى أدارت هذه اللجنة، وعلى رأسهم الدكتور عمار على حسن شخصيا. 


هدفى من هذه المقالة ليس الطعن فى أحد، ولكنها شهادة أمام شهادة، ووجهة نظر أمام وجهة نظر أخرى، لكى لا يظن ظانٌّ أن الموضوع مقطوع فيه برأى واحد وهو فى الحقيقة حمال أوجه. 

 

إن أسوأ ما فى مقال أخى الكريم د. عمار على حسن هو التلميح بالخيانة، ثم إظهار الأمر وكأن ما كتبه هو رأى لجنة المائة، والحقيقة أن هذا رأيه هو ليس أكثر! 


لو كنت أعلم أن هذه اللجنة قد تستخدم فى مثل هذا الأمر لما دخلتها من الأساس، ولحَمَّسْتُ الشباب الذين بدؤوا محاولات توحيد المرشحين بالاستمرار فى سعيهم، ولكن «لو» تفتح عمل الشيطان... «وآهى لجنة وتعدى»! اللهم اغفر لنا وارحمنا أجمعين.