الشرعية الكروية ...!

2009-11-21

 (المقال منشور بجريدة صوت الامة ) عدد السبت 21 - 11 - 2009 م 

من المفروض أن أبدأ هذا المقال بمقدمة سخيفة تتعلق بأولويات المجتمع والحكومة والأمة ، أحاول فيها أن أظهر قدرا لا بأس به من الثقافة الرياضية – ولا سيما الكروية – لكي لا يظنَّ ظانٌّ أنني – لا قدَّرَ الله – من أعداء الرياضة أو كرة القدم، و لكني لن أبدأ بهذه المقدمة السخيفة ، لا لشئ سوى لسخافتها ...!


أقول بدون مقدمات لقد أصبحت كرة القدم مخدرا حقيقيا للشعب المصري، بدون أي مبالغةٍ أو تجنٍ ،و أصبح النظام الحاكم يجيد استغلال كرة القدم سياسيا !


بالكرة ... بالكرة فقط ... يُسْمَحُ للناس أن يمارسوا حب مصر ، أما أن يُسْمَحَ بحب مصر بالعمل المتقن ، أو بمشروع سياسي ، أو اقتصادي ، أو خيري ، أو ثقافي ، أوبخوض انتخابات من أي نوع ... هنا تنهال تهم الخيانة و العمالة و الفساد و الإفساد والرغبة في (الاستيلاء) على الحكم !


ما زلت أذكر – ولن أنسى ما حييت – كيف تواطأ الناس على أنفسهم في شتاء عام 2006 م ، حيث أسكتوا أصوات ألف غريق غرقت بهم عبارة السلام 98 ، كي لا تُفْسِدَ أصواتُ الغرقى متعةَ انتصارٍ كروي في بطولة قارية تافهة ...!


لقد كانت لحظة عارٍ مركب ، اشترك فيها الحاكم و المحكوم ، والظالم والمظلوم ، و القاتل و القتيل ، و المجرم و البريء !


لقد أصبحت (الإنجازات) الكروية مبررا لاستمرار النظام ، و أصبحت تأخذ أكبر من حجمها ، و كأن هذا النظام مهمته أن يصنع منتخبا كرويا ، لا أن يكون هو –أي النظام – منتخبا من الناس ...!

أستمع أحيانا إلى المعلقين الرياضيين و هم يدعون الله قبل بدء مباراة فأشعر من دعائهم أن جيش مصر على الجبهة ...! و أسمع صرخات فرحة النصر فأشعر أن الرئيس تنحى ...! و أسمع لعنات الهزيمة – و هي شيء لو تسمعون بذئ – فأظن السب و اللعن موجهين إلى جيش يحتل أرضنا ...!


و تستمر المهزلة ، يتابع الناس عبر عشرات الفضائيات الدوري المصري ، والسعودي،و الجزائري ، و المغربي ...الخ


كما يتابعون الدوري الإنجليزي، والإسباني، والإيطالي، والبرازيلي، والأرجنتيني و لكل شخص ناديه المفضل في كل دولة من هذه الدول ، و لاعبه المفضل في كل ناد من هذه الأندية ، و مدربه المفضل ، و حارس المرمى المفضل ... الخ


ثم بعد ذلك تتابع الناس (كؤوس العالم) ، للناشئين و الشباب و الكبار ، وتبدأ المتابعة بمباريات التصفيات قبل البطولة نفسها بعامين أو أكثر ...!

ثم بعد ذلك (كؤوس القارات) ، و لا ننسى متابعة تصفيات هذه الكؤوس ...!


ثم يتابع الناس البطولات القارية المخصصة للأندية ، و هم من خلال كل ذلك يتابعون:

1 – صفقات انتقال اللاعبين المحليين و الدوليين و المدربين .

2 – فضائح اللاعبين مع نجمات السينيما ، و ما تيسر من أشكال البذخ و الانحراف.

3 – تحليلات المباريات في الصحافة و التلفزة ، بحيث لا يكتفي المشاهد بمشاهدة المباراة ، بل يشاهد تحليلا لها و نقدا ...!

و بعد كل ذلك لا نكتفي بما نتابعه ، بل نجلس أمام الشاشات لنلعب مباريات كرة قدم "افتراضية" بين فرق العالم المختلفة ، في لعبة سخيفة تأكل وقت الناشئة أكلا ، و تسفه أحلامهم في الحياة تسفيها لا نظير له ...!

لا مساحة للعمل الجاد وسط هذا الغثاء ...!

لو أحصينا كم ينفق الناس من أوقاتهم على هذا الهذر ، لعرفنا أننا ضحية "فيروس" خطير يفتك بعقول بشبابنا و بناتنا .


وفي نهاية الأمر ... و رغم أن شرعية النظام أصبحت " شرعية كروية" ، إلا إنه يفشل في تحقيق إنجازات كروية أيضا ، فبعد ما يقرب من ثلاثة عقود على أنفاسنا ، نجد كمية البطولات قليلة جدا ، إذا قورنت بدولة كالسعودية أو المغرب أو العراق ...!


و ليس ذلك بغريب ... لأن الاستبداد يسبب كل أشكال الانحطاط ... حتى في الكرة ...!
لا أخفيك سرا – قارئي الكريم – أصبحت بمرور الوقت أكره أن يفوز المنتخب في أي مباراة أو بطولة !


أكتب هذه المقالة وأنا أتمنى حين يقرؤها القارئ أن لا نكون قد تأهلنا لكأس العالم ...!
وإذا وصلنا ... فسوف تُجْرى انتخاباتُ مجلس الشعب (بالصدفة) في ذروة اشتعال مبارياتنا في كأس العالم ...!

تذكروا ذلك يا أهل مصر ..!


عبدالرحمن يوسف