فلسطين ... والفراغ ...!

2009-11-28

( المقال منشور بجريدة صوت الأمة عدد السبت 28/11/2009 م ) 

الفراغ هنا هو اسم حركي لـ"حماس" ...!

ذلك أن الذين يحذرون من "الفراغ" هم في حقيقتهم يحذرون من اهتزاز شجرة فلسطين لتسقط السلطة كالتفاحة على حجر حماس بدون جهد يكاد يذكر .


"الفراغ" – بهذا المعنى – خطر عند غالبية الأطراف ، باستثناء "حماس" نفسها ،
وحماس تدرك أن "الفراغ" قادم لا محالة ، وهي تخطط لمواقفها بناء على ذلك الاحتمال الراجح ، وتعتمد سياسة الصبر على جار السوء أكثر مما تعتمد على سياسة رد العدوان ...

إذا كان الفراغ = حماس ...

فإن "الامتلاء" يدل على حركة "فتح" ، فهذه الحركة العريقة أصبحت ممتلئة أكثر من اللازم ، صار امتلاءؤها تخمة تعوق الحركة ، والواقع الفلسطيني لا يكاد يثبت على حال !

لذلك ... ستسقط حركة "فتح" بسبب امتلائها شحما ، أو امتلائها تذمرا ، أو امتلائها بقيادات من فصيلة "دحلان" ...!


ستؤول الأمور لحماس ، وحينها ستكون الحرب الفاصلة ، وبناء على نتيجتها ستكون المفاوضات الحقيقية التي إما أن يعود بها جزء كبير من الحقوق العربية ، وإما أن ندخل في متاهة أخرى من الانتظار ، انتظار بعض التعديل في موازين القوى ، ولا يظنن ظان أن كل حرب تحسم ، فهذا في عالم السياسة خطأ ، من الممكن أن تخوض الدولة أو الأمة عدة حروب من أجل الوصول إلى حرب الحسم ، والحالة الفلسطينية أوضح مثال على ذلك .


من كل ما سبق نرى أن حركة حماس تخطط لهذه اللحظة بذكاء شديد ، تنتظر سقوط فتح لوحدها دون تدخل ، لكي تصل إلى لحظة تاريخية مركبة تستطيع فيها أن تحقق تقدما استراتيجيا للقضية ، لذلك نرى حماس في الحرب الأخيرة التي بدأت في ديسمبر 2008 لم تستخدم كل ما لديها ، وفي معركتها مع فتح لم تستخدم تلال الأوراق والمستندات التي أصبحت في يدها بعد أن سيطرت على غزة ، وفي معركتها مع مصر التزمت بأقصى حد من ضبط النفس ، تحسبا لتغيير في القيادة المصرية قد يكون قريبا ، وتحسبا للحظة حاسمة ربما تحتاج فيها مصر بشكل أكثر من ضروري .


ليس مهما موقف أمريكا من ذلك ، وليس مهما موقف إسرائيل من ذلك ، وليس مهما موقف حركة فتح من ذلك ، وليس مهما موقف مصر من ذلك ، بل المهم هو موقف إيران من دعم حماس ، وموقف حماس من المطلوب منها ، والمطلوب هو مزيد من الصبر على الحصار والقتل ، ويبدو أن حماس (ومن ورائها غالبية أهل غزة) مستعدة لدفع هذا الثمن الباهظ .


لو سألني سائل : كيف تتوقع أن تتنتصر حماس رغم كل هذا الحصار ؟ ورغم كل الرغبة الإسرائيلية الأمريكية المصرية الجازمة الحاسمة في تركيع حماس ؟

سأرد : أنا لا أتوقع انتصار حماس (وإن كنت أتمنى ذلك من كل قلبي) ، بل أتحدث عن شروط النصر ، وأول هذه الشروط ، أن يصل الوضع إلى معركة فاصلة ، ولكي يصل إلى تلك المرحلة ... لا بد  –أولا– من سقوط السلطة (أو فتح) ، مما يؤدي إلى إلى معركة حاسمة يحدث بعدها تغيير حقيقي لصالح أو لغير صالح القضية .


سوف نرى خلال أعوام قليلة – على أقصى تقدير – الكثير من الأحداث الكبيرة التي ستؤثر في خط سير القضية الفلسطينية .

أسوأ ما في الموضوع ... هو دور مصر الرسمية في هذه السيناريوهات ، ذلك أن الرهان المطلق على تفوق إسرائيل ، ربما ندفع ثمنه غاليا ، صحيح أننا في جميع الأحوال ندفع أثمانا غالية ، ولكن ذلك لا يلغي فكرة أننا من الممكن أن ندفع أثمانا أغلى بكثير مما ندفعه اليوم .


فنحن اليوم ندفع "الجزية" لإسرائيل ، في شكل غاز مدعم ، أو في شكل اتفاقية "كويز" ، أو حتى في شكل جدار عازل مبني بأسمنت وحديد مصري ...!

لو قامت الحكومة المصرية بدور "يهوذا" ...
فسوف تكون صفحة من أكثر صفحات تاريخنا سوادا وعارا ...!

نسأل الله السلامة


عبدالرحمن يوسف