ماذا تريد مصر من البرادعي ؟

2009-12-10

( المقال منشور بجريدة الدستور العدد الأسبوعي 9/12/2009 م ) 

يظن بعض أصحاب النوايا الطيبة أن الإصلاح مستحيل ، وسبب ذلك غرقهم في تفاصيل تفاصيل الواقع الكئيب ، ومع مرور الوقت تنسد أمامهم الآفاق بشكل لا يسمح برؤية الشمس في كبد السماء ، وكيف يرونها وقد حبسوا أنفسهم في قمقم لا يسمح بدخول ضوء أو هواء ؟


مع إعلان الدكتور محمد البرادعي رغبته في الترشح لمنصب رئيس الجمهورية بالاشتراطات المنطقية التي اشترطها ، وبعد ثبوت أن الرجل لم يكن يرتجل التصريحات كما ظنّ بعض السذج ، ومع اتضاح أنه يريد أن يفعل شيئا لهذا البلد العظيم ، كما بشّر البعض – وكاتب هذه السطور منهم – ، ينبغي الآن أن نسأل هذا السؤال : ماذا تريد مصر من البرادعي لو وصل لمنصب رئيس الجمهورية ؟


يظن البعض أن المطلوب من الرجل أن يصلح كل شيء ، بداية من أزمة المرور ، وانتهاء بالصعود إلى القمر ، مرورا برفع مستوى الدخل والقضاء على إسرائيل !

والحقيقة أنني قلت في مقال سابق إن الرجل لا يستطيع سوى أن يكون قائدا مرحليا ، يهيء مصر لكي يصلحها المصريون ، بعد أن يمهد الطريق لهذا الإصلاح .


ولكي أكون محددا أكثر ، أقول : إن المطلوب من الدكتور البرادعي أن يقوم بمهمتين اثنتين فقط ، قد يندرج تحتهما عشرات المهمات ، ولكنهما – في نهاية الأمر – مهمتان لا أكثر :


المهمة الأولى : الفصل بين السلطات
وسيقوم بذلك بصفته رئيسا للسلطة التنفيذية ، فبإمكانه – بما يملك من صلاحيات – أن يرغم السلطة التنفيذية على احترام القانون .

فنحن دولة حكمت بالطوارئ لعقود طويلة ، حتى أصبحت السلطة التنفيذية ترتدي السلطة القضائية والسلطة التشريعية كحذاء من فردتين ...!

يجب على الدكتور البرادعي أن يفعل ذلك بنفسه ، بصفته رئيس الدولة ، بصفته رئيس السلطة التنفيذية ، عليه أن يجبر كل أذرع السلطة التنفيذية على أن تلزم حدودها ، وعلى أن تحترم القانون .


المهمة الثانية : وهذه لن يفعلها لوحده أو بنفسه ، بل سيتيح لعلماء وعظماء الأمة المصرية أن يفعلوها ... ألا وهي ... صياغة عقد اجتماعي جديد ، وذلك بصياغة دستور جديد لجمهورية مصر العربية ، وهذا الأمر لا يمكن أن يقوم به رئيس أو عالم أو مفكر لوحده ، مهما بلغ من النبوغ والإخلاص ، بل هي مهمة جليلة يدعو لها رئيس منتخب مثل الدكتور البرادعي ، ويقوم بتفاصيلها عقول مصر العظيمة المخلصة ، وما أكثر هذه العقول .


لا تطلبوا من الرجل برنامجا انتخابيا يغرق في التفاصيل ، لا تطلبوا من الرجل حلول المشاكل الجزئية ، فمصر مصابة بمرض خطير هو الاستبداد ، ومشاكلنا كلها أعراض لهذا المرض ، فلا تطلبوا منه أن يتفرغ لمداواة الأعراض ، لأن مهمته القضاء على المرض ، وبعد ذلك تختفي الأعراض جميعها حين يتعافى جسد الوطن !


لا تطلبوا من الرجل الغرق في تفاصيل الواقع الذي أنتم فيه غارقون ، فليس هذا دوره ، بل دوره أن يهيء البلد لمرحلة جديدة تستطيع بعدها أن تستوفي شروط النهضة التي نعلمها جميعا .


إنها سنن التقدم ، فلا تطلبوا من الرجل أن يرفع البناء ، لأن مهمته إزالة الأنقاض !


عبدالرحمن يوسف