من يدعي الألوهية..!

2010-04-22

( المقال منشور بجريدة الشرق القطرية الأربعاء 22-4-2010) 


في الأسبوع الماضي جاءتني دعوة على الفايس بوك تلاها مئات الدعوات التي تستصرخني من أجل أن أتحرك لإقفال صفحة شخص (على الفايس بوك أيضا) يدعي أنه الله!

المثير في هذه الدعوات أنها من أشخاص يتبعون جميع الديانات، ومتوزعون على جميع الأعمار، وينتشرون جغرافيا في قارات الدنيا كلها، بحيث أصبح إغلاق هذه الصفحة على موقع الفايس بوك مطلب الجماهير الأول، بل هو مطلب عابر للقارات، فهو مطلب أممي إن صح التعبير.


أحب أن أنوه إلى أن ما يحدث ليس بجديد، فادعاء الألوهية والنبوة أمر قديم، ومن يراجع كتب التاريخ سيجد آلاف الأشخاص الذين ادعوا مثل هذه الادعاءات، لكن الجديد في الأمر أن الادعاء هذه المرة.. ادعاء "ديجيتال".


لست أدري ما الذي حدث بعد ذلك، ولست أدري هل أغلقت هذه الصفحة أم لا، ولست مهتما بالأمر من أوله لآخره، وأعتبره معركة هامشية مجانية في عالم افتراضي واسع، ولست مسرورا كذلك بدعوات الإلحاد الصفيقة من هذا النوع، ولكني أنظر للأمر من زاوية أخرى تتعلق بترتيب سلم الأولويات على المستوى الفردي والجماعي.


إن قدرة المجتمعات العربية على تحريك الجماهير محدودة، وهذه القدرة المحدودة يذهب تسعة أعشارها في حشد الجماهير من أجل الكرة، أو الترفيه، أو من أجل مظاهر التدين (بالمعنى السطحي للتدين).
أكبر التجمعات الجماهيرية تحدث بسبب مباراة كرة (أو ما شابه ذلك) أو بسبب حفل غنائي (أو ما شابه ذلك)، أو بسبب صلاة الجمعة (أو ما شابه ذلك).


وتبقى الأحداث التي تؤثر في تقدم الأمم بدون حشود، وأعني بذلك الأحداث السياسية (الانتخابات) والثقافية (كالندوات).


من السهل تحريك الحشود في توافه الأمور، وحينها يخرج الزعماء الذين يحركون الجماهير إلى المجهول، وحين تأتي القضايا المصيرية للأمة نجد كل هذه (الزعامات) تقف على الحياد بأحذيتها.


ليس معنى ذلك انني أرحب بمدعي الألوهية، أو أدعو إلى إلغاء الفعاليات الرياضية والترفيهية أو أدعو إلى منع صلاة الجمعة والحج! 

بل إنني أدعو إلى إعادة التفكير في نوع المعارك التي تخوضها المجتمعات العربية، وأدعو إلى مراجعة تصرفاتنا المتعلقة بتحريك الجماهير، لأني أرى خللا كبيرا في سلم الأولويات، أرى أن هذا الخلل تفاقم ومازال يتفاقم بشكل قد يؤدي في يوم من الأيام إلى موت ضمير المجتمعات العربية بحيث نعجز عن حشد الجماهير في أي عمل جاد، ويصبح كل المتاح أن نحشدهم من أجل أحداث تافهة تكرس سطحيتهم، مما يؤدي إلى عجز هذه المجتمعات عن الدفاع عن وجودها، فتصبح جسما ضخما بلا عضلات، وبلا جهاز مناعة، وبلا عقل!


في نهاية الأمر حين تتابعت الدعوات على بريدي في الفايس بوك تطالبني بالانضمام إلى المطالبين بغلق صفحة الشخص الذي يدعي الألوهية على الفايس بوك، وجدت أنني لا يليق بي ألا أرد على المئات من القراء والأصدقاء، لذلك كتبت للجميع الرد التالي:أخي العزيز.. أرجو أن تعذرني لعدم مشاركتي في معركتكم المتعلقة بغلق صفحة مدعي الألوهية على الفايس بوك، نظراً لانشغالي بمقاومة مدعي الألوهية خارج الفايس بوك! 


عبدالرحمن يوسف