في أصول التسويق

2010-05-05

في مناسبة من المناسبات جلس معي مجموعة من خبراء التسويق، خبراء كبار في هذا المجال، وقد انتهزت الفرصة لكي أسألهم سؤالاً مباشراً لأستفيد من إجاباتهم، ولكي أختبر مدى دقة إجابتي عن نفس السؤال.


سألتهم: من أعظم مسوِّق (فرد أو جماعة) في تاريخ البشر؟

جاءت الإجابات كالتالي: فريق قال: أعظم مسوق في التاريخ "كوتلر"، وهو أستاذ التسويق الأمريكي الشهير.


وفريق آخر قال: اليهود. وحجتهم أنهم قد سوقوا أوهامهم المتعلقة بحقهم التاريخي في أرض فلسطين المحتلة، وكذلك رؤيتهم لما حدث في محارق الهولوكوست في فترة الحرب العالمية الثانية على يد نظام هتلر، حتى صدقهم غالبية الكرة الأرضية.


فريق ثالث قال: أعظم المسوقين إخواننا أهل الشام واللبنانيون، فهم أفضل من يبيع لك أي شيء بأي سعر، لسانهم الحلو، وابتساماتهم المتواصلة، وقدرتهم على معرفة الحاجات الحقيقية للزبون، تمكنهم من ممارسة فن البيع، ورسم خطط التسويق على أفضل وجه.


إجابتي كانت: إن أفضل مسوقين في التاريخ هم الرسل والأنبياء!

فهم يبيعون لك سلعة لم ترها (أي وجود الله، ووجود الجنة والنار) عن طريق (sales man) أو رجل مبيعات لم يره معظم من يشتري السلعة (أعني الرسل والأنبياء عليهم السلام)، والسعر مرتفع جدا، فهذه الصفقة تطالبك بأسلوب حياة معين، فهي تفرض عليك فروضا يومية وموسمية، بل إنها قد تطلب منك الموت في سبيل الحصول على هذه السلعة. أي أن تموت في سبيل الله.


الغريب أن جميع خبراء التسويق في هذه الجلسة قد اتفقوا معي في هذا التصور، وأضافوا للفكرة الكثير، ومن أهم ما أضافوه أن هذه الصفقة لم تعرف الـ (الحوافز الإضافية) أي (extra benefits) فحين يمتنع الناس عن الذهاب للمساجد لا تجد عرضاً من رجال الدين يحفز الناس بأن يقولوا لهم: يكفيكم أن تصلوا ثلاث مرات بدلاً من خمس!


بل هي فكرة تسوق نفسها عبر الزمان دون أي مؤسسة تدعمها.

سألني البعض: ولكن أليس في عرض الفكرة بهذا الشكل إساءة للدين؟

فأجبت بأن الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم قد عرض الأمر بهذا الشكل، فقال في محكم كتابه: "إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" التوبة (111).


وكان تعليق الصحابة على تلك الآية: ربح البيع!

وربما تكون هذه الآية أول محاولة صريحة في "التسويق السياسي"، وهو علم يدرس في جامعات العالم المتقدم كمعجزة للعلوم السياسية.


إن تسويق الأفكار هو أصعب وأهم أنواع التسويق، وهو سلاح ذو حدين، فالتسويق الخاطئ للأفكار ينتج عنه ابتعاد الناس عن الفكرة وإن كانت حقاً، والتسويق السليم للأفكار يحولها إلى أفكار خالدة تتجاوز حدود الزمان والمكان (حتى لو كان فيها شيء من الباطل).

لهذا السبب صدق من قال: إن الأفكار لا تموت!


عبدالرحمن يوسف