الخوف.. والشجاعة..! (2-2)

2010-05-12

( المقال منشور بجريدة الشرق القطرية الثلاثاء  11/5/2010 ) 

في المقالة السابقة قلنا ما خلاصته (أن الخوف يفجر من الطاقات الإنسانية ما يدفع الإنسان للمواجهة، وما يدفعه أيضاً إلى الاختراع والابتكار) ولكن ليس معنى ذلك أن الخوف شيء إيجابي دائماً، بل كثيراً ما يكون الخوف سبباً للرجوع إلى الخلف، وسبباً في الرضا بالهوان والذل.


الخوف.. هو عقدة الصراع الأزلية بين الأنظمة المستبدة والشعوب المتطلعة للحرية، لذلك ترى القمع منظماً وممنهجا، وتسمع الناس يحكون عن عواقب التمرد، وعن العالم الموجود (وراء الشمس)، وعن حماقة الذين يقتحمون هذه اللجة، وعن حكمة العين التي لا تصارع المخرز!

ولا بد لكل من ينشد الإصلاح والتغيير من أمرين وهو يتعامل مع الناس، الأول: احترام مخاوف الناس، فلا ينبغي للمصلحين أن يتعاملوا مع خوف الناس على أنه عار ينبغي ستره، أو جريمة ينبغي التخلص منها وإعدام من يرتكبها، لأن هذا التعامل سيدفع الناس إلى مزيد من الاستسلام لمخاوفهم.


وحين يحدث الاستسلام للخوف يتوارث الناس ذلك، فترى أجيالا تربت على الخوف حتى لو انتفت أسبابه، فتراه أحيانا خوفا غير منطقي بالمرة، والسبب أنهم توارثوا الخوف كابرا عن كابر..!
على المصلحين أن يعترفوا بأن خوف الناس له ما يبرره، وأن يوصلوا لجموع الشعب أن الخوف شعور طبيعي.


الأمر الثاني: أن يساعدوهم على التخلص من هذا الخوف المرضي، بحيث يصبح خوفهم خوفاً خلاقاً مبدعاً يدفعهم للحركة والابتكار.

ولو تحقق ذلك ستجد كل شعب يبتكر طرقه الخاصة في مقاومة الظلم!
إن خسائر الخضوع للخوف– خصوصاً على المستوى الجماعي– أكبر بكثير جداً من خسائر المواجهة، وهذا الكلام ليس جملة بلاغية لا موقع لها من الحياة، بل هو حقيقة واضحة لكل صاحب عقل.


لا بد لمن يريد الإصلاح من أن يظهر مكاسب الانتصار على الخوف، بحيث تتضاءل خسائر الاستسلام للأمر الواقع أمام مكاسب التمرد الشجاع، وفي نفس الوقت لا ينبغي على المصلحين أن يخاطروا بالناس بتحريكهم قبل الأوان، قبل أن يكتمل اقتناعهم الجماعي بضرورة الانتصار على الخوف.


إن الخوف سلاح ذو حدين، والقائد الذكي هو الذي يستخدم الحد ضد عدوه بدلاً من أن يقتل بهذا السلاح نفسه!

هذا ما حدث في الثورة الفرنسية، وهذا ما حدث مع محمد، عليه السلام، وصحابته، وهذا ما حدث في تجارب أخرى حديثة، مثل ما حدث في إندونيسيا حين أسقطت "سوهارتو"، ومع الفلبين حين أسقطت "فيرديناند ماركوس"، وهذا ما حدث مع مئات المصلحين الذين نجحوا في تغيير الواقع الغارق في الخوف.


لو كان لي نصيحة بالخوف، فإنني أوجهها لكل عاقل بأن يخاف أولاً من نفسه، فالنفس الأمارة بالسوء أول ما ينبغي على الإنسان أن يخاف منه !

وكم من أناس عجز أعداؤهم عن إهلاكهم ثم في النهاية أهلكوا أنفسهم بأنفسهم بالاستسلام لشهوات النفس، أو لأمراض القلوب كالغرور والحقد.


ولو كان لي نصيحة بالشجاعة، فإنني أوجهها لكل عاقل أيضاً أن يكون شجاعاً مع نفسه فهذه النفس لا بد من أن يواجهها المرء بشجاعة!

فالمرء يستطيع أن يواجه الآخرين الذين يهددون وجوده بمنتهى الشجاعة، ولكن حين يكون التهديد من داخل الإنسان فإن الأمر يحتاج إلى نوع آخر من الشجاعة لا يملكه غالبية الناس.


على كل عاقل أن يعامل نفسه بمنتهى الخوف، وبمنتهى الشجاعة! 


عبدالرحمن يوسف
[email protected]