المفكر والشاعر

2010-06-02

( المقال منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء 2/6/2010 م ) 

حين يبدأ الكاتب الكتابة في أي موضوع، فإنه يبحث عن أمرين، الأول: الإفهام، والثاني: الإقناع. هذان الأمران يتوقعها القارئ أيضاً، فهو يريد أولاً: أن يفهم البحث أو الكتاب أو المقالة أو القصيدة التي يقرؤها.


القارئ يريد – كمتلقٍ للفكرة – أن يحصِّلَ الحد الأدنى من الفهم.


ويريد ثانياً: أن يقتنع بما فهمه!
وغني عن الشرح طبعا أن نقول إن هناك فارقا كبيرا بين الفهم والاقتناع، فليس كل الأفكار التي يفهمها الإنسان، يقتنع بها.


أما الشاعر.. فأمره مختلف!

فبالنسبة للأمر الأول (الإفهام)، نرى اتجاها حداثياً في بعض مدارس الشعر يحاول أن يتجاوز هذا الأمر، فيتم الاحتفاء بالنصوص الغامضة التي لا يكاد يفهمها من كتبها (أنا هنا لا أبالغ بأي شكل من الأشكال، وعندي العديد من الوقائع التي تدل على ذلك، ولكن ليس هذا موضعها)!


وهناك اتجاه آخر في الشعر العربي، ما زال يرى أن الأصل في أي نص لغوي أن يفصح عن معنى ما، يفهمه الناس، أو لنقل: يستطيع أن يفهمه الناس ولو بدرجات متفاوتة من الفهم، فكل حسب ثقافته وظروفه وحالته، وبالتالي تتدرج درجات الفهم من الفهم السطحي إلى الفهم العميق!


أما الأمر الثاني (الإقناع) فليس ذلك الهم الأكبر للشاعر...!

المفكر يهدف إلى الإفهام، والإقناع، أما الشاعر فإنه – في مذهبي – يهدف إلى الإفهام والإمتاع...!
الشعر – كسائر الفنون – همه المتعة، لذلك قد يفشل الشاعر في أن يكون كاتب مقالة، أو محللاً سياسياً، إذ تهرب منه الحجة أحيانا من أجل تمام المتعة!


أو قد يجري خلف متعة الأداء الفني اللغوي، على حساب حسن العرض المنطقي، دون أن يشعر.

بعكس الكاتب (المفكر) الذي يندر أن يقع في مثل هذا الفخ الواضح السهل.

ليس هذا تناقضاً بين الإمتاع والإقناع، وليس مستحيلا أن يمزج الإنسان بين الأمرين، ولكن كل له وظيفة، وكل يصل إلى ما يريده بطريقته، فترى الشاعر يجري خلف الإمتاع، والمفكر لا هم له إلا الإقناع.


لذلك يصل (سارتر) – أو الغزالي – إلى وجوده عن طريق الشك بأفكار واضحة منطقية، فيقول: أنا أشك، إذن أنا أفكر، إذن أنا موجود.


أما الشاعر فإنه يتجاوز هذه الحجج المنطقية لكي يمنح نصه طاقة نور من المتعة الممتدة، فيقول إيليا أبو ماضي:

جئت لا أعلم من أين و لكني أتيتُ
ولقد أبصرت طريقا قدامي فمشيتُ
وسأبقى ماشيا إن شئت هذا أم أبيتُ
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!

وهو حين يتساءل قائلا ً: لست أدري، لا يعبر عن عجز في الإقناع، أو خلل وظيفي في تسلسل منطقية الاستدلال، بقدر ما يفعِّل الوظيفة الشعرية بأعلى درجات التفعيل، فيمنحك متعة التساؤل، والحيرة، والدهشة، والفناء... إلخ.


ولو أنه وصل إلى نفس نتيجة (سارتر) وقدم لك وجبة مقنعة تتأكد منها أنه موجود، لكان شاعراً فاشلاً، أو شبه فاشل!

في هذه اللحظة الحرجة من هذه المقالة أنا أمام طريقين، إما أن أختمها بشكل مقنع، وإما أن أختمها بشكل ممتع!

وقد اخترت أن أحيل الأمر للقارئ الكريم، وستكون ذروة الأداء أن تجمع المقالة بين الإقناع والإمتاع.
عزيزي القاري.. الأمر لك!


عبدالرحمن يوسف