تجوع الحرة...!

2010-06-09

قال لي صديقي الناشر المحترم: "القضية الفلسطينية أصبحت عنوانا مستهلكا، لا يحقق مبيعات"!

حين دققت في كلامه لم أستغرب، فكيف يمكن أن يظل الناس مشدودين لعنوان واحد لمدة ستين سنة...!

لقد أصبحت تفاصيل ما يجري في فلسطين مكررة، ولا تحرك فينا جديدا، فلا يكاد يمر يوم دون قتيل أو جريح، ولا يمر يوم دون اعتداء ما بأي شكل من الأشكال، لذلك أصبحت الأمة العربية لا تتحرك إلا مع الأحداث الضخمة التي يسقط فيها عدد كبير من القتلى، وصار مطلوبا من إخواننا الفلسطينيين أن يقدموا- لمجرد لفت أنظارنا- عددا كبيرا جدا من الشهداء الأبرار دفعة واحدة...!


إنها سنة الحياة، كل أمر يتكرر يتعود الناس عليه، حتى لو كان مؤلما كالقتل، وكلما تعود الناس على الأمور المؤلمة كلما دل ذلك على بلادتهم، ونظرا لشدة بلادتنا أصبحنا لا نتعاطف مع الشعب الفلسطيني البطل إلا حين تُشن حرب كبيرة، تقتل، وتدمر، حينها- وحينها فقط- نرى الشارع العربي يتعاطف مع القضية الفلسطينية!


وحين يحدث ذلك (أعني الحدث الكبير الذي يسقط فيه عشرات الشهداء)، يتكرر مشهد آخر، مشهد الاستنكار، وفي العادة تكون العواصم العربية آخر من يستنكر، ويتكرر مشهد المظاهرات، ويتكرر مشهد حرق الأعلام الإسرائيلية والأمريكية، ويتكرر مشهد جمع التبرعات للشعب الفلسطيني... إلخ.


بعد هذه المقدمة الضرورية أريد أن أدخل في الموضوع، وهو ما حدث من اعتداء إسرائيلي متوقع معتاد على قافلة سفن الحرية، وما حدث من قرصنة وقتل وسجن للناشطين، فهذا المشهد كان فيه جديد لم نعتده، أعني: تركيا...!


تركيا... الأوروبية، العلمانية، المسلمة، عضو حلف شمال الأطلسي، اختر ما شئت من الصفات، ولكنني سأختار صفة واحدة أحب أن أصف بها هذه الدولة، تركيا الحرة.


والحرة، لا تأكل بثدييها، وقد يقول لي قائل: "هل للأنظمة العربية أثداء؟".

سأقول: ليس لها أثداء، لأن أثداءها قد انتهت من كثرة ما نهشتها أنياب الحلفاء الاستراتيجيين!
إن الجديد في مشهد الاعتداء على السفن هو وجود دولة حرة، تستطيع أن توازن بين المخاطرة غير المحسوبة التي تؤدي إلى نكسة تعيدها مائة عام إلى الوراء، وبين أن تقدم أثداءها إلى الأعداء في شكل مبادرة سلام من طرف واحد.


ما الذي حدث إذن؟

كيف صارت تركيا السند الحقيقي الوحيد- تقريبا- للشعب العظيم في غزة؟

الإجابة بسيطة، لقد أصبحت تركيا دولة حرة، وذلك عن طريق نظام ديمقراطي يفرز أفضل القيادات لأعظم المناصب، ويحاسبهم أولا بأول، فلا يعطي الفرصة لورم الفساد في التضخم، ولا يتهاون في محاسبة من يثبت سوء أدائه.


لا حل للقضية الفلسطينية إلا بأن تصبح الدول العربية دولا حرة، وذلك لن يكون إلا بتحرك الشعوب بشكل جماعي سلمي، يؤدي إلى تغيير سياسي يكسب منه الجميع.


إذا سألني سائل سؤالا خبيثا: "كيف نفعل ذلك ؟".

سأرد بسؤال أشد خبثا: "وهل ستفعل لو أخبرتك كيف؟".

حتى يحدث ذلك (المعلوم المجهول)، ستظل القضية الفلسطينية عنوانا غير جذاب، لا يحقق مبيعات كبيرة في نظر الناشرين، وسوف يظل الشعب الفلسطيني العظيم مضطرا لتقديم مزيد من الشهداء الأبرار كي يلفت أنظارنا.


وفي جميع الأحوال، سيظل منظر تركيا الحرة فريدا في المشهد، وستظل مثلا يُحتذى للشعوب، وللأنظمة.


إن المثل الذي تقدمه تركيا للشعوب العربية بسيط، يقول باختصار: تحركوا، وغيروا واقعكم الداخلي، لكي يصبح لكم وزن بين الأمم، وحينها لن تضطروا إلى استجداء أمريكا، أو التصفيق للأتراك وهم يدافعون عن حقوق أنتم أولى بالدفاع عنها.


أما المثل الذي تضربه تركيا للأنظمة العربية، فهو مثل عربي نحفظه جميعا: تجوع الحرة.. ولا تأكل بثدييها...! 

 

عبدالرحمن يوسف 
[email protected]