تمرد على السيئ يأتك الجيد !

2010-07-07

منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء 7-7-2010 م 


يظن البعض أنهم عباقرة حين يفلسفون الذل ، وحين يمنطقون الخنوع ، وهم يفعلون ذلك بقدر كبير من العنجهية تدفع للتساؤل : إلى أي درجة من درجات الذكاء (أو الغباء) ينتمون ؟!


يقول البعض – تعليقاً على أوضاعنا السياسية في الوطن العربي – : تمتع بالسيئ ، فالقادم أسوأ !
كذب المتفزلكون وإن صدقوا !

إذا رأيت صخرة ضخمة تتدحرج من أعلى شاهق ، فلا شك أنها ستواصل تدحرجها إذا لم يقف أمامها عائق ، ولا يحق لك أن تعتبر نفسك عبقرياً إذا استنتجت هذه النتيجة !

يحق للآخرين أن يعتبروك ذكيا إذا أرشدتهم كيف يمكن إيقاف تدحرج هذه الصخرة !

من هذا المنطلق يصغر في عيني كل من يبرر للناس التخاذل ، وكل من يشرعن للناس الخوف ، وأعتبر كل الكتاب الذين يقعون في هذا الفخ يعانون من خللين ، أولهما : فكري ، فهو يتعامل مع قضية جادة ، مصيرية ، بأسلوب ساذج سطحي !

 

والخلل الثاني : أخلاقي ، فليس من المروءة أن تكون طبيباً ثم تترك جل مرضاك للموت دون محاولة ابتكار علاج للمرض ، بل إنك تحاول أن تقنعهم بأن المرض قدر ، وأن تعلمهم السلوك الذي يساعد على التقاط العدوى ، بدلا من أن تعالجهم ، أو على الأقل تعلمهم كيفية الوقاية من المرض !


إن جميع الكتاب والمفكرين العرب الذين يرون أن تخلف الأمة أمر حتمي ، وأن نهضتها ضرب من الخيال كتـّابٌ مأزومون فكرياً وأخلاقياً ، ويعانون عقدة نقص تضعهم في قفص اتهام أمام التاريخ ، بتهمة خيانة الأمانة القومية والفكرية .


من قال إن التخلف قدر مكتوب ؟

للتقدم سنن يعرفها كل أهل النهى ، و وصفة التقدم نجحت في عشرات الدول التي تعاني مما نعاني منه نحن العرب ، فقد تقدمت دول تعاني من الاستبداد ، والقمع ، والجهل ، والمرض ، والفقر ، وكان ذلك في ظرف أزمنة قياسية ، فمنها تركيا والبرازيل وتشيلي وأسبانيا وإيطاليا وماليزيا واندونيسيا والهند ... الخ


إن الوصفة العبقرية الحقيقية التي ينبغي على الكتاب والمفكرين أن يكتبوها للناس هي كيفية التقدم ، لا حتمية التخلف !

يقولون : تمتع بالسيئ ، فالقادم أسوأ !
وأنا أقول : تمرد على السيئ يأتك الجيد !


كيف نتمرد ؟


تمرد أنت وكل الساخطين في بلدك ، بشكل سلمي ، وابتكروا وسائل التمرد الحضارية التي تثبت أنكم أصحاب حق .


اخترعوا ألف طريقة لكلمة لا ، وابتعدوا عن العنف ، لأن كل الأنظمة المستبدة مدربة على العنف ، وإذا دخلت معها في معركة عنيفة سوف تهزم بلا شك ، لأنك تحاربهم من ميدان يتفوقون عليك فيه مهما فعلت .


جميع الأنظمة المستبدة تراها مركزية ، لذلك لا بد أن يحاول الناس أن يقوموا بأنشطة لا مركزية تشتت الخصم ، وتستغل كل نقاط ضعفه من بيروقراطية وبطء في اتخاذ القرار .


ويجب أن تكون كل الأنشطة – كما قلت – سلمية متحضرة ، لا تخالف القانون .

يقولون : تمتع بالسيئ ، فالقادم أسوأ !

إن التعبير الصحيح عن هذه الحكمة الكاذبة التي يروجها البعض : استسلم للسيئ ، يأتك الفناء !

من قال إن دور الإنسان هو الاستمتاع بالوضع الحالي ؟ ومن قال إن الأمم التي تقدمت كل ما تفعله الآن هو (الاستمتاع) بالوضع الحالي ؟


إن الأمم التي أنجزت تقدما ما تصارع من أجل الحفاظ على ما أنجزته ، وتصارع من أجل أن تنجز المزيد ، ونحن ... يتفلسف علينا هؤلاء المنهزمون ، ويطلبون منا أن نستمتع بالسييء ، لأن القادم أسوأ ...!


لا شك أننا لو أطعناهم ، واستمتعنا بما نحن فيه (سواء كان جيدا أو سيئا) فلا شك أن القادم أسوأ .


إن الحكمة الصحيحة : تمرد على الشر ، يأتك الخير !
تمرد على الظلام ، يأتك النور !
تمرد على الظلم ، يأتك العدل !

وتكملة كل هذه الحكم : تمرد على الجيد ، يأتك الأجود !

وعلى قدر تمرد الأمم ... تحظى بما تستحقه !

 

صدق أبو الطيب حين قال : 

على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم