موضوع مهم

2010-07-21

( المقال منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء 21/7/2010 م ) 

 

سأتحدث اليوم في موضوع مهم، لكن هل يعني ذلك أنني كنت أتحدث فيما سبق في مواضيع تافهة؟
هناك إجابتان، إما الاعتراف بتفاهة الموضوعات السابقة، وبالتالي أكون مطالباً بموضوع ذي أهمية حقيقية اليوم، وإما عدم الاعتراف بتفاهة المواضيع السابقة، وبالتالي الاعتراف بأنني بالغت في وصف موضوع اليوم بالأهمية.


في الحقيقة نحن دائماً نستخدم أساليب مكررة وعبارات منحوتة، مستنسخة من بعضها البعض، فنقول مثلاً: في هذه اللحظة الحرجة، ولا هي حرجة ولا يحزنون!

ونقول: في هذا المنعطف التاريخي، ولا نحن في منعطف (فنحن غالباً في منحدر )، ولا هو (المنحدر أو المنعطف أو كما شئت) تاريخي!


ونقول الأستاذ الدكتور دون تحر عن حصول الشخص على درجة الدكتوراه ناهيك عن درجة الأستاذية!

ونقول: الشاعر الكبير، ونحن نشك شكا يكاد يقترب من اليقين في شاعرية المذكور، بحيث يفقد لقب الكبير معناه من الأساس!


ونقول: صاحب القداسة (لبعض من لو تركنا أنفسنا على سجيتنا) لقلنا صاحب النجاسة، وصاحب الفضيلة لمن نعته بصاحب الرذيلة أصدق!

هو تكرار إذن!

نقع فيه جميعاً (لاحظ أن كلمة جميعاً هنا يكاد ينطبق عليها ما أشكو منه! )، وأكاد أجزم أننا لو راجعنا أنفسنا في استخدام مثل هذه القوالب المكررة لقلنا كلاماً أقل، ولأصبنا معاني أكثر وأعمق!


أنا الآن أتساءل: لماذا نستخدم هذه الجمل والكلمات المكررة؟

الإجابة: لأن الحياة بهذا الشكل أسهل!


قديماً قال الشاعر:


هل غادر الشعراء من متردم.. أم هل عـرفت الدار بعد تـوهم
فالكتاب والشعراء قد كتبوا في كل المواضيع، وأصبح الحصول على فكرة مبتكرة بعد كل هذا التراكم الفكري ضربا من الخيال.


وهذه مشكلة، لأن الابتكار لا يكون بموضوع جديد، بل بصياغة جديدة (بالنسبة للفن)، وهذا ما قاله الجاحظ، ففي حين انشغل غالبية النقاد بالسرقات الأدبية، قال هو: "المعاني مطروحة في الطريق، يعرفها العربي والعجمي، والبدوي والحضري، وإنما الشعر صياغة، وضرب من التصوير!".


فالناس يظلون يكررون نفس العبارات والأساليب، دون فهم لها، ودون تدقيق لمعناها، بل أحيانا دون أن يفهموا غالبية المفردات التي يستخدمونها في الجملة الواحدة!


إن البحث عن صياغة جديدة للتعبير عن كل موقف أمر متعب للبعض، وأمر معجز للبعض الآخر، ولهذا تكتسب قلة من البشر هذا التميز من خلال القدرة على ابتكار الأساليب الجديدة المتجددة القادرة على التعبير عن الحال بتفرد وبلاغة، وهؤلاء يكون نصيبهم قدر من التقدير وأحياناً الخلود، وهم استثناء من القاعدة العامة من البشر التي ترى أن استخدام نفس الصياغات يوفر حياة أسهل.


في النهاية ما الفائدة من وراء هذا المقال؟

قد تكون الفائدة ملء هذه المساحة التي التزمت بأن أملأها كل أسبوع، وقد تكون الفائدة من هذه المقالة توصيل فكرة بسيطة للقاريء الكريم، خلاصتها أن غالبية ما تقرؤه مكرر وأن وقتك أثمن من أن يضيع في هذه القوالب، وأن تصديق كل ما يقال عن الأحداث والأشخاص من الصفات عبث، لذلك انتق من وما تقرأ!

أخيراً: هل هذا موضوع مهم كما ذكرت في بداية المقالة؟

إجابتي: ربما!
ولكل قارئ إجابته التي يختارها...!