مسكنات الألم ...!

2010-08-18

( منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء 18/8/2010 م ) 


سألني الطبيب: ماذا أخذت من مسكنات الألم (pain killer) منذ الصباح؟
أجبته: لا شيء...

فأعاد الإجابة مستنكراً أو مستغرباً: لا شيء؟

كررت إجابتي ذاتها.


قال الطبيب: تعاني من انزلاق غضروفي منذ الصباح، ولم تتناول أي مسكن... لماذا؟
قلت: الألم... جزء الحياة، وإيماني بالأدوية الحديثة ضعيف جداً!


ابتسم... ثم ملأ " الروشتة " بألف دواء، على أن يراني بعد أسبوع.

ورثت ضعف الإيمان بالأدوية من أبي الروحي الدكتور أحمد صدقي الدجاني المفكر العربي الشهير رحمه الله.


أغلب هذه الأدوية يتعامل مع العرض لا المرض، لذلك أتجنب الأدوية قدر استطاعتي، فلا أتناول مضاداً حيوياً مهما اشتد " الزكام " الذي يصيبني، لأنه سيأخذ دورته وينصرف، أما المضاد الحيوي فلن يفعل شيئاً مع المرض، بل سيتلف أو يضعف جهاز المناعة الرباني، لا أكثر!


سيعترض على كلامي كثير من الأطباء والصيادلة، ولست بمستعد للدخول في مثل هذا الجدل، فهناك أطباء آخرون يؤيدون رأيي، وأنا على هذا الرأي لأني أشعر شعوراً يكاد يقترب من اليقين بأنني على الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.

 

إن الألم جزء أصيل من الحياة، وليس هذا كلاماً نظرياً، أو تشوهاً نفسياً سادياً، بل هو الحقيقة.
هناك أشياء تـتعب الإنسان، ولكن من دونها تفقد الحياة جزءا كبيراً من رونقها، من هذه الأشياء الألم، فالحياة من دون ألم لا تحدي فيها، ومنها كذلك الغموض، فالإنسان لو وجد الإجابة على كل الأسئلة لصارت الحياة مملة لا تشويق فيها، وكذلك تصبح الحياة جحيماً لو صارت كلها ألماً وغموضاً، لذلك لا بأس ببعض الألم وبعض الغموض.


لقد صورت التكنولوجيا الحديثة الألم وكأنه أمر خبيث ينبغي أن يختفي من حياتنا وهذا خطأ كبير، ونتج عن ذلك العديد والعديد من الاختراعات التي تضر الجسم وتهدم مناعته.


ونتج عن الخضوع لسلطان التكنولوجيا نوع من التمرد على سنن الحياة كما أراد الله لها أن تسير، فاختـرعت عشرات الأجهزة التي تقاوم الموت، وتمنح الحياة، ولكنها تمنح حياة سريرية لا معنى لها، فهي في حقيقة الأمر أجهزة تطيل لحظات الاحتضار، وتحولها إلى أيام، وأحياناً أسابيع، بل شهور، وربما سنوات!

 

لست ضد العلم، ولست ضد أن تكون الحياة أسهل، ولكني ضد أن يظن الإنسان أنه إله، أو يظن أنه بإمكانه أن يتحدى الإله!


إن هذه الأجهزة والأدوية المقاومة للألم تزيد تعاسة الإنسان، وتمنحه إحساسا كاذبا بأنه بخير بينما المرض يتغلغل في جسمه دون أن يشعر، والأهم من ذلك أنها تسرب له مفهوما خاطئا يتعلق بضرورة التخلص من الألم، وتنسيه أنه لا بد أن يتحلى بقدر من الشجاعة في مواجهة مصاعب الحياة، وأنه لا بد أن يتعلم معنى الصبر على المصائب والمشاق، بدلا من أن يهرب منها إلى كبسولة أو حقنة أو ما شابه ذلك!


كم كان الشاعر محمود درويش رحمه الله رائعاً وكم كان نافذ البصيرة، حين أوصى أن لا يوضع على أي من هذه الأجهزة التي تسيء لإنسانية الإنسان، وتحوله إلى شبح سريري، فقد أوصى قبل أن يجري عملية خطيرة في قلبه بأن لا يفعل فيه ذلك.


لقد فضل أن يموت موتاً حقيقياً شجاعاً، على أن يعيش حياة مزورة مزيفة، وقد نال ما أراد، ورحل عن الدنيا معززا مكرما، بمنتهى الشاعرية والشجاعة!


إن الحياة هبة من الله، وهبنا إياها، وفيها الحلاوة والمرارة، والسعي خلف جعلها حلاوة لا مرارة فيها يعني أننا لا نفهم المعني العميق للحياة، وكذلك يعني أننا – بشكل ما – نتمرد على قدر الله جل وعلا.