مواطن صالح في دولة المخبرين!

2010-09-01

( المقال منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء 1/9/2010 م )


من هو المواطن الصالح في نظر أنظمة الحكم في الدول العربية؟

لكي نعرف جواب هذا السؤال لا بد من العودة قليلا للوراء.


كان المواطن الصالح في عصور ما قبل الدولة القومية (أي في النصف الأول من القرن العشرين) يعتبر ذلك الشخص المحترم الملتزم بالقانون، فهو ذلك المواطن الإيجابي الذي يفيد المجتمع، ويلتزم بالعقد الاجتماعي المبرم بين الناس والدولة، وبين الناس بعضهم وبعض.

 

أي أنه المواطن الذي يعمر بلده، ويحترم القانون في الدول التي يحكمها القانون كمصر والشام، أو هو المواطن الذي يلتزم بتقاليد القبيلة كما هو الحال في الجزيرة العربية ودول الخليج العربي واليمن.


ولهذا المواطن الصالح كل الحقوق، حسب قانون الدولة، أو حسب أعراف القبيلة.

بعد ذلك، وبعد أن عرف الوطن العربي الانقلابات العسكرية التي كونت وأسست لمرحلة الدولة القومية الحديثة تغير مفهوم المواطن الصالح، فأصبح ذلك المواطن المسالم، السلبي، الذي يعيش (في حاله)، الذي يبتعد عن السياسة، ولا يفكر في حقوقه السياسية أبدا!

ولهذا المواطن كل الحقوق عند الدولة إلا إذا شاء حظه العاثر أن يقع في أي مأزق له علاقة بدنيا السياسة عن طريق الخطأ أو الوشاية أو الصدفة أو العمد، فحينها لا شفاعة تنفعه إلا إذا شاء الله!


إذن... أصبح المواطن الصالح (في نظر الدولة) منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين هو ذلك المواطن الذي يمشي (جنب الحيط) كما يقولون، وله عند الدولة راتب شهري، يضمن له الفقر، ويضمن له أن لا يموت من الجوع.

 

لاحظ هنا أن المجتمعات القبلية ظلت متمسكة بالتعريف الأول، ولم تغير مفهومها للمواطن الصالح إلا بعد ذلك بعقود، والسبب هو تأخر استقلال هذه الدول، وكذلك بسبب تواصل سيطرة أعراف القبيلة في بدايات تأسيس الدولة.

 

مع بداية العقد قبل الأخير أو الأخير من القرن العشرين قفز تعريف المواطن الصالح قفزة أخرى كانت الأسوأ، فلم يعد كافيا أن يمشي المواطن العربي (جنب الحيط) لكي تراه الأنظمة مواطنا صالحا!


وجهة نظر الحكومات العربية أن المواطن العربي قد يمشي (داخل الحيط) وفي الوقت نفسه من الممكن أن يعمل ضد الأنظمة الحاكمة، لذلك صار مطلوبا من كل مواطن صالح أن يثبت صلاحه!


السؤال هنا: لمن يثبت المواطن صلاحه؟ وكيف؟

الجواب: من دون لف أو دوران... يثبت المواطن صلاحه لأجهزة الأمن، أي أجهزة أمن الدولة أو المخابرات.!

أما كيف يثبت ذلك، فخلاصتها أن يكون عينا لهذه الأجهزة!
نعم... جاسوسا!


بمعنى آخر: المواطن الصالح في نظر الحكومات العربية اليوم... هو المواطن المخبر!
المواطن الذي يكتب التقارير ضد زملائه الطلبة في المدرسة والجامعة، وضد زملائه في العمل في الوزارة أو الإدارة التي يعمل فيها، أو ضد زملائه في الأجهزة الأمنية نفسها.!


هذا المواطن الصالح (المخبر)، له جميع حقوق المواطنة، ويحظى بدعم كامل من جميع أجهزة الدولة، لأنها تستجيب لأوامر أجهزة الأمن!

هناك ضباط ومهندسون وأطباء وأكاديميون وإعلاميون وصحفيون تراهم ملء السمع والبصر، وتستغرب كيف استطاعوا أن يتواجدوا تحت الأضواء، وأن يفرضوا أنفسهم رغم إمكاناتهم العلمية والفنية الضعيفة، وترى آخرين في قمة التمكن والاحترام ولكنهم في غرف معتمة من التجاهل، ويكون التفسير المنطقي الوحيد – الذي يثبت صدقه مع الأيام – أن الصنف الأول رضي أن يكون مخبرا، والصنف الثاني أبى، أو لم يَسْعَ لذلك، أي أنه اكتفى بالمشي (جنب الحيط) في زمن لا بد فيه من إثبات ولائك!

 

تعريف المواطن الصالح الذي ذكرته يعتبر قاسما مشتركا بين جميع الدول العربية بلا استثناء تقريبا، لذلك لا تستغرب من حال هذه الدول، لأن الصدارة فيها للمخبرين، فهم الذين تفتح لهم الأبواب، وتمهد أمامهم السبل.


تسألني – عزيزي القارئ – عن الحل؟

أقول لك باختصار: حين تصبح الأجهزة الأمنية خادما للناس، وحين يصبح كل مسؤول محاسبا من الناس، ستتراجع الظاهرة في الدول العربية.

أما اليوم... فنحن نعيش في دولة المخبرين.!