التفكير الواقعي والحماقة ...!

2010-10-02


(( منشور بجريدة الدستور عدد الجمعة 1/10/2010 م ))  

أتميز غيظاً حين يقول لي – أو لغيري – قائل يدعي الحكمة : " كن واقعياً " ، أو : " كلامك جميل ولكنه غير واقعي " ، أو : " الواقع يقتضي أن نفعل كذا " ... الخ وأشد ما يغيظني في مثل هذه الجمل أن تكون في إطار نقاش سياسي يتعلق بأمور الحكم في مصر و أوطاننا العربية ! 

أشد ما يغيظني في هذا النوع من الجمل أمران الأمر الأول : تجريم الخيال ... فالذي يقول لك : " كن واقعياً " ، دائماً يقول لك تلك الجملة كجدار عازل أمام محاولة الابتكار ، ودائماً يقول لك ذلك كنوع من النهي عن التفكير خارج الصندوق ، أو كنوع من الأمر بالالتزام بما هو كائن ، وعدم محاولة تغيير الوضع إلى ما ينبغي أن يكون !

وكأن الخيال جريمة !


 وأنا أتساءل : هل يوجد سياسي ناجح لا يملك خيال التغيير ؟ أو على الأقل التطوير ؟ إن الخيال مكرمة في العمل السياسي ، ومنه تتولد الأفكار العظمى ، ولولا هذا الخيال لما تحررت أمة ، ولما كافح شعب .


 بل إن الخيال أمر لازم في شؤون العلم التجريبي ، وغالبية المخترعين العظماء أناس سرحوا بخيالهم خلف فكرة ما ، ثم جعلوها بالعلم ممكنة ، ولولا الخيال لما طارت طائرة ، ولما صنع هاتف ، ولما شوهد تلفاز ، ولما ارتفع بناء شاهق ، وكل الذين ساهموا في هذه الاختراعات ( إذا طبقنا عليهم سياسة التفكير الواقعي ) مجموعة من الحمقى ! 

غني عن القول إن الإغراق في الخيال أمر مذموم ، وليس الهدف من هذه المقالة أن نسرح بعقولنا خلف الوهم ، بل أن نرفض سجن الأمر الواقع ونكسره إلى رحاب الممكن بالإرادة الانسانية الحرة . 


الأمر الثاني الذي يغيظني في موضوع زعم التفكير الواقعي : تجريم التمرد . فالذي يأمرك بأن تكون واقعياً هو (في حقيقة الأمر شاء أم أبى) ينهاك عن أن تتمرد ، ويذم فيك رغبتك في التغيير . 

لذلك ترى هؤلاء يقولون عن أي مقاومة لإسرائيل إنها مغامرة ... ! 

وأن المطالبة بالتغيير في أوطاننا العربية تهديد للاستقرار ...! 

والدعوة للاجتهاد في الشريعة الإسلامية تهديد للإسلام ... إلخ و تجريم هذه الأمور – في الحقيقة – تجريد للإنسان من أهم ما ميزه الله به ، أعني الإرادة الحرة ، وهي أساس التكليف ، وعلى أساسها يحاسبنا الله ، ويدخلنا الجنة أو النار . 

حين أساير بعض الخصوم في " أمرهم الواقع " ، لأصل إلى نتيجة ما ، تزداد قناعتي بحماقتهم ، فهم قوم لا يبصرون وينطبق عليهم قول الحق سبحانه " لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} ... " ما هو الواقع ؟ أسأل هذا السؤال ، فأرى أن إجابتهم تؤكد لي أن الواقع عندهم مجموعة من الافتراضات ، والخيالات ، وأحيانا مجموعة من الأوهام ! حين يقول لي قائل : كن واقعياً ، هذا الجبل لا يمكن تحركه ! 


هذا الكلام في نظر من يملك خيالاً فاعلا كلام فارغ ، لأن تحريك الجبل ليس مطلوباً  لذاته ، وهو افتراض خاطيء فالجبل لا يمكن تحريكه بيد بشرية ، ولكن يمكن نسفه بمتفجرات ، ويمكن حفر نفق فيه ، ويمكن تمهيد طريق من حوله ويمكن بناء جسر من فوقه ... ألف حلٍ وحلٍ لمن يملك بعض الإرادة الحرة ، والخيال الصالح ، والرغبة في الإنجاز . 


للأسف ... يتحول بعض الكتاب – وبعضهم يعد من الكتاب الكبار – إلى معوق من معوقات التقدم بسبب عدم قدرتهم على تصور تغيير الأمر الواقع ...! 


إن النظر للأشياء التي نراها كما هي ، كأمر واقع ، دون محاولة تفكيك هذا الواقع ، وتحليله ، ومعرفة مكوناته ، وحجم كل مكون ، ومعرفة قدرات الإنسان الحقيقية ، وما يمكن أن يستخرج من القدرات الكامنة ، بحيث نستطيع أن نفهم الثابت والمتغير مما نراه ، كل ذلك لا شك سيؤدي إلى الاستسلام للأمر الواقع بدلا من محاولة تغييره إلى الأفضل ...! 


يا كل من يرى الواقع بعين الخضوع ، رسالة الحقيقة تقول : لا تجرموا الخيال ، ولا تحرموا التمرد ... وإلا ... لن يأتي غد مشرق ...!  

عبدالرحمن يوسف  
[email protected]