الدولة والأمة

2010-10-13

 ( منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء 13/10/2010 م ) 

يحب الكثيرون أن يمدحوا دولة المؤسسات، وهم حين يفعلون ذلك يسترسلون في المديح حتى يقعوا في بعض الأخطاء التي من الممكن أن تصل بهم إلى هدم الدولة ذاتها، وهذا بيان ذلك. الدولة نائب عن الأمة في إدارة شؤونها، أي أن وجود الأمة أساس وجود الدولة، ولا معنى لوجود الدولة إلا بالأمة، فالأمة هي التي كلفت الدولة بمهامها، وأعطتها شرعية الوجود والتصرف. 


هذا هو الحال في مجتمعاتنا العربية، فالناس موجودون، تتغير الدول وتنهار، والناس في أماكنهم لا يبرحونها، يدافعون عنها ضد كل أجنبي، أيا كان الحاكم، ويعمرون أرضهم في أوقات السلم بكل ما يستطيعون، وهم على هذا الحال منذ عشرات القرون، تقوم دول وممالك وإمارات، وتسقط دول وممالك وإمارات، والناس صابرون فوق أرضهم، كأنهم على ثغر لا يبرحونه.  


صحيح أن هناك بعض الدول هي الأساس في وجود الشعب، ولكن هذه الاستثناءات قليلة، وهي أيضا من دلائل الانحطاط والانهيار في تاريخنا، وفي واقعنا، وخير مثال على ذلك هو دول الطوائف في الأندلس، فقد أصبحت دولا لا مبرر لوجودها، وأصبح قيام الإمارة سببا لسوق الناس سوقا إلى تأييد هذه الدولة، بينما الناس ينتمون لكيان أكبر من هذا الكيان، ولكنها السياسة. 


يماثل ذلك في عصرنا بعض الدول الصغيرة التي لم تكن موجودة على الخريطة، ووجدت لكي تقوم بدور معين، وقيام هذه الدول هو ما خلق شعوبها، مثل بلجيكا على سبيل المثال لا الحصر! 


المشكلة الكبرى أن أنموذج الدولة القومية حين جاء لبلادنا لم يراع أدوارا كانت تقوم بها الشعوب من تلقاء نفسها، وكانت هذه الأدوار غير محتاجة للدولة لكي تنجز، بل كانت تكفل للأمة قدرا كبيرا من الاستقلال والفعالية والبقاء حتى إذا ضعفت الدولة أو احتلت أو انهارت! 


فعلى سبيل المثال لا الحصر كانت منظومة الأوقاف الإسلامية في غالبية الدول تكفل لكل العباقرة تعليما راقيا من دون لجوء للدولة، والأنموذج الناصع على ذلك أوقاف الأزهر، التي علمت آلاف العلماء على مدار سبعة أو ثمانية قرون من دون أن تكلف الدولة مليما واحدا، فكان الطالب الذكي يتعلم مجانا تقريبا، بغض النظر عن مدى قوة الدولة أو ضعفها، غناها أو فقرها.! 


ما الذي حدث في هذه المنظومة حين قامت الدولة القومية؟ تم تدميرها! 

فتولت الدولة مهمة التربية والتعليم، بما في ذلك رعاية النابهين والعباقرة، وتولت كذلك مهمة تنظيم الأوقاف، ولم تعد الأمور تجري بسهولة كما كانت من قبل، وصار على كل طالب نابه، أن يدخل داخل دهاليز الدولة، فأصبح عليه أن يرضي أجهزة الأمن، وأن يصبر على كل روتين الحكومات.  

 

أي أصبح الأمر يعتمد على مدى قدرة الدولة على القيام بهذا الدور، وأصبح الطالب تحت رحمة الدولة بكل ما فيها من أجهزة أمنية، وبكل ما فيها من بيروقراطية، وبطء في اتخاذ القرار، وصارت المحصلة أن الطالب لا يتعلم إلا إذا استطاعت الدولة ذلك، مهما بلغ ذكاؤه، وهذا أمر يتضرر منه المجتمع، وتتضرر منه الدولة ذاتها. 


لا شك أن المقصود بهذه المقالة أن يعود للمجتمع دوره في الحياة المدنية، لا أن نقضي على الدولة، ولا شك أن تقوية المجتمع تقوية للدولة، ولا شك أن الدولة العادلة يسرها أن يكون المجتمع قويا، والدولة الظالمة فقط هي التي تخاف قوة المجتمع، لأنها تخاف من الناس، وتحب أن تتحكم فيهم بشتى الأشكال، لذلك تلجأ الدولة الظالمة إلى سد كل أشكال الاستقلال التي يتمتع بها المجتمع، وهي بذلك تقضي على نفسها. 


لا يجوز أن تكون الدولة هي (الكل في الكل)، ولا يجوز أن نصل بدرجة احتقار المجتمع إلى درجة وضع الشعوب بكاملها تحت رحمة الدولة، لأن ذلك خطر على الأمة، وعلى الدولة.   

عبدالرحمن يوسف  

[email protected]