المخدرات والإبداع

2010-10-20

( المقال منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء 20/10/2010 م )  


هذه المقالة للشباب عامة، وللمبدعين منهم خاصة . 

للأسف... يظن بعض شباب المبدعين من الشعراء والكتاب الرسامين والنحاتين والموسيقيين أن هناك ارتباطا بين تعاطي الخمور والمخدرات وبين الإبداع.! هذا الكلام واجهته منذ سن مبكرة، فترى بعض الزملاء يستغرب من أن فلانا من الناس يدعي أنه شاعر، ولكنه لا يتعاطى أي شيء من هذه الأشياء.! 

 


ذات مرة حكى لي شاعر كبير (لا داعي لذكر اسمه)، أنه في شبابه ذهب إلى أحد كبار الشعراء ليعرض عليه شعره، فأعجب به هذا الشاعر الكبير، وفي نهاية الجلسة سأله: "أين تسكر؟"  علق الأستاذ حينها بقوله: "يسألني عن الخمر وأنا لا أشرب الشاي والقهوة!" وكان سؤال ذلك الشاعر "أين تسكر؟"... يلخص الحالة التي وصل إليها مجتمع المبدعين في الستينات من القرن الماضي، فقد كانت النظرة أن الأصل هو الشرب، وعدم الشرب استثناء! 


وظهر كثير من المبدعين (المدمنين)، وكانت غالبية الأعمال الفنية في السينما والشعر والرسم تتعامل مع هذا الأمر بمنتهى الحياد، بل ببعض التحيز، فهو أمر يكاد يعتبر فضيلة، أو نوعا من التحضر والانفتاح الفكري أكثر مما يعتبر رذيلة، أو حتى عادة صحية سيئة. 


لن أتطرق في هذه المقالة إلى حرمة هذه الأشياء شرعا، لأن ذلك أوضح من أن يوضح، ولأن ذلك ليس موضوعي، فموضوعي هو: "هل توجد علاقة بين الإبداع وبين تعاطي أو إدمان أي نوع من أنواع المخدرات أو الخمور كما يحاول البعض أن يشيع؟" إجابتي، وإجابة كل عالم، وإجابة كل عاقل: لا... جازمة، حازمة، حاسمة! 


العلم يؤكد بما لا يدع مجالا من الشك أن جميع هذه المواد تترك أثرها على قدرة الإنسان الذهنية والعقلية، وعلى قدراته المتعلقة بالذاكرة والتركيز، وبالتالي لا يمكن أن تكون المخدرات أمرا يبعث على الإبداع، أو يقرِّبُ من الإبداع، أو يحفز على الإبداع، إلا بالمعنى السطحي للإبداع، وهو كتابة نص جيد يعجب الناس، ثم ادعاء أن ذلك كله بسبب هذه المواد، من دون التأكد من أن هذا الشخص يستطيع أن يكتب مثل هذا النص من دون أن يتعاطى، وبدون التأكد من أن تعاطي هذه المواد لمدة طويلة سيمنعه من الكتابة بعد ذلك، وسيقصر عمره الفني بكل تأكيد! 


إنني أزعم أن كل الشعراء الذين أدمنوا الخمر أو غيرها كانوا سيبدعون حتى لو لم يدمنوا ما أدمنوه، وكانوا سيتركون تراثا أعمق، وكان عمرهم الفني سيطول أكثر، بأن يمتد مشروعهم الفني طولا وعرضا وعمقا. هناك الكثير من النماذج التي ملأت الحياة الثقافية بمبالغات كاذبة تتعلق بقدرة (الحشيش) على كتابة القصيدة! 


وكأن هذه المادة هي سبب الإبداع، وكأن الشاعر مجرد (سيجارة حشيش)، وليس مجموع التجارب، والثقافة، والإخلاص، والإحساس، والوعي، والارتجال، والضعف، والقوة، واليقين، والشك!  

كم أتألم حين يصدق بعض الكتاب والشعراء الصغار في السن هذه الكذبة السمجة، ويبدؤون في تبرير تعاطي هذه الأشياء لأنفسهم، فترى الواحد منهم يدخن أو يشرب هذه الأشياء وكأنه يقوم بعمل بطولي، فهو لا يشرب لمزاجه، بل يشرب لغاية أسمى... هي الإبداع.! 

 


إن الإبداع أعظم من أن يقترن (على وجه اللزوم) بهذه الأشياء، ولو اقترن الإبداع بأي شيء نتعاطاه، فسوف يقترن بكل المواد النظيفة الطازجة التي تأتي من الطبيعة كما هي، فتفتح الذهن، وتريح الأعصاب، لكي يصبح المبدع مهيأ للإبداع، ولكي تشحذ طاقته الذهنية بشكل كامل من أجل هدفه الأعظم، وهو الإبداع. خلاصة القول... إن من يعتبر الإبداع كأس خمر، أو سيجارة حشيش، أو قرص أفيون... واهم... الإبداع يعمل العقل، العقل الواعي، والعقل الباطن غير الواعي، ولكن الإبداع ليس فعلا من أفعال الغيبوبة بأي شكل من الأشكال.! 


الإبداع فعل من أفعال الإفاقة والمواجهة! والغيبوبة... فعل الضعيف الذي لا يستطيع أن يواجه حقائق الكون.!