معادلة التفاؤل ...!

2010-11-03

(المقال منشور بجريدة الشرق القطرية عدد الأربعاء  3/11/2010 م ) 


يسألني عشرات القراء والأصدقاء الأعزاء عن سبب تفاؤلي فيما يتعلق بالشأن العام العربي والمصري!

يظن البعض أنني متفائل بطبعي، ويغبطونني على ذلك، وهذا عكس الحقيقة، فأنا بطبعي شخص سوداوي متشائم، بل شديد التشاؤم،ومن يتأمل في أشعاري يسهل عليه اكتشاف ذلك بسهولة. 

 

إذنن... ما سبب التفاؤل؟ الحق أقول، إن تفاؤلي مبني على مجموعة عمليات حسابية عقلية بحتة، ولا دخل للطبع الشخصي في الأمر، بل إن دقة هذه العمليات الحسابية ونتائجها المبشرة، هي التي جعلت التفاؤل يغمرني، متغلبا بذلك على طبعي الشخصي المتشائم. 


بادئ ذي بدء لا بد من التنبيه على أنني أعاني من عيب "خِلْقِي" يجعلني أخلط الخاص بالعام، فأصاب بالتشاؤم والتفاؤل، والفرح والاكتئاب، لأسباب لا علاقة لها بمجريات حياتي الشخصية، وهذا أمر يعسر الحياة عسرا شديدا، ولكن، وبرغم ذلك، أشعر اليوم بتفاؤل شديد فيما يتعلق بمستقبل الأمة العربية. 

 

المعادلة التفاؤلية الأولى: معادلة نسبة الشباب من عدد السكان. إنها أحكام الجغرافيا البشرية! 

إن نسبة الشباب الذين لم يبلغوا الثلاثين في غالبية االدول العربية تزيد على خمسة وستين بالمائة من السكان، وهذه النسبة تعتبر (في حد ذاتها) شرطا مهما لقيام مشروع نهضوي. 


ولو أضفت الشباب حتى سن الأربعين، ستجد أن ما يقرب من ثمانين بالمائة من سكان الوطن العربي من الشباب. 


يضاف إلى ذلك أن غالبية الشباب لا يحظى بفرصه العادلة في كافة مناحي الحياة، وهذا يعطي مشاريع النهضة القائمة على الرغبة في التغيير مخازن ضخمة من الذخيرة الحية التي يسهل توظيفها في المعركة نحو الحرية والتنمية. 


المعادلة التفاؤلية الثانية: تحرك الشباب نحو العمل العام. وهنا أحب أن أشير إلى أن هنالك ملايين الشباب والشابات العرب الذين ينخرطون في أنشطة العمل العام بشكل تطوعي، وهذا أمر محمود، خصوصا بعد عقود من ابتعاد الشباب عن العمل العام. 

 

ليس مهما ما طبيعة العمل العام الذي ينخرط فيه الشباب، وبالتالي أرى أن كل الشباب الذين يتطوعون في العمل الخيري، أو في مشاريع رجل مثل الأخ الأستاذ عمرو خالد، أو في جمعية أهلية، أو في عمل سياسي... كل هؤلاء قد قطعوا شوطا مهما في الوصول لمفهوم (استحالة الخلاص الفردي)، وهذه خطوة مهمة من أجل التحرك الجماعي نحو المستقبل. 


المعادلة التفاؤلية الثالثة: الثقافة بين الشباب. صحيح أن البعض يبالغ في جلد جيل الشباب لضحالة وسطحية ثقافته، ولكني أرى الأمر من زاوية مختلفة. 


إن هذا الجيل لم يقدم له أحد يد العون، ولم تهتم الأجيال التي سبقته برعايته فكريا بقدر ما اهتمت برعايته ماديا، لذلك كان من المفترض أن يكون هذا الجيل أسوأ مما هو عليه بكثير جدا، وإن خروج هذا الجيل بهذا الشكل يعني أنه خير من الأجيال التي ربته، أو الأجيال التي زعمت أنها ربته! 


إن تجربتي الشخصية مع هذا الجيل العظيم أنه أرض خصبة، تحفظ الماء، وتنبت الثمر، بأقل مجهود في البذر! شاهدت ذلك بنفسي خلال ندوات شعرية وفكرية وسياسية في شتى العواصم والمدن العربية.


قاعات كبرى وقد غصت بجمهور ضخم معظمه من الشباب، شباب قد تركوا اللهو والتوافه من أجل الاستمتاع بقصيدة، أو من أجل الاستفادة من محاضرة. 


المعادلة التفاؤلية الرابعة: شيخوخة نظم الحكم. إذن... نحن نرى الشباب وقد امتلأ بالرغبة في التغيير، ونرى في نفس اللحظة أنظمة قد أكلتها الشيخوخة مهما تظاهرت بالشباب، ونرى ضعفا وشيبة في الحكومات مهما حاولوا إظهار القوة أو صبغ الشعر! 


يا سادتي:  إنها سنن الله في الكون، قولوا ما شيءتم، وافعلوا ما شيءتم، فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا! 


سنشاهد بإم أعيننا، وفي القريب العاجل، تغييرات لم نكن نتخيلها أو نحلم بها، ومع وجود هذا الوعي في شباب الأمة، ستكون هذه التغييرات في صالح الغالبية، وفي صالح مستقبل مشرق للأمة العربية كلها...