لعنة الاستقطاب أم لعنة الاعتدال؟

2012-10-11

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 11-10-2012 م 


يقول لى الأصدقاء: «الكل يهاجمك لأنك معتدل، لست مع الإسلاميين مائة فى المائة، ولست مع التيار المدنى مائة فى المائة».  

يتحدثون وكأن الاعتدال لعنة حلت بالمعتدلين، فترى كلامهم ممزوجا بالشفقة ! 


الحقيقة المرة أن الاستقطاب لعنة، وأن الاعتدال هو التصرف الصحيح، خصوصا لمن هم فى موقع الكاتب أو الإعلامى، فالضمير المهنى والوطنى يحتم على كل إنسان محترم أن يدفع المحسن للأمام وأن ينصح المسىء، وأن يعارض أى مستبد جديد .  


يظن البعض أننى متطرف بطبعى، وقد أخذوا هذا الانطباع بسبب قصائد الهجاء التى اشتهرت فى عصر مبارك، فهم يظنون أننى سأعارض كل رئيس وأى رئيس كما عارضت مباركا، وأننى سأكون متطرفا فى معارضتى كما كنت فى معارضتى لمبارك.  


والحقيقة أننى لم أكن متطرفا، بل كان المتطرف هو مبارك، فقد كان رجلا خائنا للأمة، ولم نكن نملك سوى أن نقف فى وجهه ضد خيانته، ولست أرى ذلك تطرفا بأى حال من الأحوال، بل الوقوف أمام الخيانة شيطانا أخرس هو الاستخذاء بعينه، وهو شراكة فى بيع الوطن، خصوصا ممن يفترض فيهم أن يجهروا بكلمة «لا» أمام الناس.  


الاعتدال اليوم فريضة، وعلى كل من يخاف أن يعتدل أن يعرف أن التاريخ لن يرحم المتطرفين، وأن الذين يهاجَمون اليوم من اليمين واليسار سيضعهم التاريخ فى قائمة أولى النهى، وأن التطرف والتشنج بضاعة يسوِّقُها صوتٌ عالٍ، ولكن المستهلك يكتشف بعد قليل أنها بضاعة «مضروبة»، وأن بائعها قد دلس عليه لتحقيق غرض انتخابى أو إعلامى.  


المعتدلون يؤدون فريضة الاعتدال بتمسكهم بفضيلة الصبر، والصبر فى هذا الموضع صبر على التخوين، وعلى الشتائم، وعلى الحملات الإعلامية، وعلى الحمقى الذين ينعقون بكل ما يعنّ لهم دون حساب لعواقب اندفاعاتهم التى قد يدفعها الوطن.  كل الزعماء والأحزاب والجماعات – بلا استثناء – وراءهم «أولتراس» متشنج مندفع، يسىء لكل الأفكار والجماعات، ولا يضيف أى جديد على الأرض. 

 

الاعتدال معناه ألا تكون نصيرا لتيار أو حزب أو اتجاه فى كل وقت وكل آن، بل أن تكون مع الحق، بأن تؤدى ما عليك من موقعك، أن تهدى النصيحة لكل من يحتاجها، وألا تكون من الذين يتحدثون أو يسكتون خوفا من سلطان، أو خوفا من الجماهير، وما أدراك ما الجماهير! 

 

إنها لعنة الاستقطاب، وسنخرج منها قريبا، وذلك بفضيلة الاعتدال..  طوبى لكل الكتاب والسياسيين والإعلاميين الذين يؤدون فريضة الاعتدال، ويتحملون فى سبيل ذلك سفه المتطرفين.