أن تقود الغوعاءُ النخبةً، زيدان نموذجا ...!

2011-01-19

 في البداية أحب أن أشرح عنوان المقالة خوفا من أي خطأ مطبعي غير مقصود ، وخوفا من أي سوء فهم لا يخطرعلى بال الكاتب ، ولذلك أقول إن الغوغاء فاعل مرفوع  والنخبة مفعول به ، أما (زيدان) فالمقصود به – بلا شك – الدكتور يوسف زيدان أستاذ التاريخ المرموق ، والروائي الكبير . 


بعد ذلك أقول وبالله التوفيق : من أسوأ ما يبتلي به الله أمة من الأمم أن نتقلب فيها الموازين ، فيصبح العزيز ذليلا ، ويصبح الكبير صغيرا ، ويصبح الخير فيها شرا ، والشر فيها خيرا ، ويؤدي ذلك إلى الكثير من المصائب ، من أهمها انقلاب سلم الأولويات ، وتصدر النكرات للمشهد الثقافي والسياسي ، وتوحش رأس المال ، وأعراض أخرى كثيرة نراها في الدول العربية ، وفي الشارع المصري على وجه الخصوص . 


حين يحدث ذلك نرى المجتمع يقوده الغوغاء ، ويصبح التنافس بين الناس في أن يستخرجوا أسوأ ما في أنفسهم ، وتكون الجائزة للأقذر ، لا للأصلح ، وبهذا تتوارى الحكمة ، ويهمش العقلاء . 


بهذا الشكل ، وفي هذا الإطار فهمت ما صدر من الدكتور يوسف زيدان في حق الدكتور محمد البرادعي ، حين قال عنه : (إنه يتاجر بالأمل) ، قارنا إياه ببابا الفاتيكان (الذي يتاجر بالألم) . 


جريمة البابا أنه تدخل في الشأن المصري ، وطالب بحماية أقباط مصر ، مستغلا حادثة كنيسة القديسين بالأسكندرية . 


أما جريمة البرادعي فتتلخص في أنه طالب أهل النوبة بتدويل قضيتهم ، وذلك حسب رواية الدكتور زيدان ! 


قبل هذا الكلام بأيام ، قام من يدعي أنه شيخ من شيوخ المسلمين بإهدار دم البرادعي ، وحرض على قتله ، بل طالب بقتل إمام من أئمة الأمة الإسلامية هو الدكتور يوسف القرضاوي ، وكانت التهمة الموجهة للبرادعي والقرضاوي دعوتهما الشعب المصري للعصيان المدني السلمي الذي يكفله الدستور المصري والميثاق العالمي لحقوق الإنسان ! 


حين يتخلى العقلاء عن عقولهم ، وحين يرمي الحكماء حكمتهم ، من حقنا أن نندهش حد الذهول ! كيف سمح أستاذ تحقيق الروايات التاريخية لنفسه أن يتصرف بهذا الشكل ؟ 


إذا كانت حرفة الدكتور زيدان أن يتحقق من صدق الروايات التاريخية التي مر عليها عشرات القرون ، كيف لم يتمكن من التحقق من رواية لم يمر عليها سوى عشرات الساعات ...!؟ (لاحظ أن الفاصل الزمني بين تصريح البرادعي المزعوم ، وبين تعليق زيدان عليه لا يزيد على يومين) . 


للأسف ... لقد أهدر زيدان دم البرادعي ، تماما كذلك الشيخ الغوغائي ، وخان منهجه العلمي أو طرحه أرضا على الأقل ، ولم يتمكن من اكتشاف رواية مكذوبة ادعت أن البرادعي قد حرض النوبيين على تدويل قضيتهم ! 


صحيح أن هناك من وقع في نفس الخطأ ، لكني أستطيع أن ألتمس لهم ألف عذر بعد أن وقع في نفس الخطأ أستاذ أساتذة التاريخ ، الخبير بالمخطوطات ، الذي استطاع أن يحقق ويدقق في عشرات الروايات التاريخية المكذوبة ، بعد مرور مئات السنين عليها ! 


هنا أجد نفسي ملزما بأن أوضح منهجي في كتابة هذه المقالة ، وأن أوضح أنني لم أقع في نفس الخطأ الذي وقع فيه الدكتور زيدان ، ولم أتسرع باتهامه بمحتوى هذا المقال ، لذلك قمت بالاتصال بالمهندس إبراهيم المعلم ، وعرفت منه أن ما نشر صحيح إجمالا ، وهذا الرجل (المعلم) تواترت أخبار عدالته ، ولم أكتف بذلك ، بل صبرت حتى قامت جريدة الشروق بنشر ملخص ما قاله الدكتور زيدان ، وهي أيضا شاهد عدل ، وقمت بعدة اتصالات أكدت جميعها أن ما نشر على لسان الدكتور زيدان حقيقة لا شك فيها ! 


كان جديرا بالدكتور زيدان أن يتصرف كما تصرف حكيم آخر من حكماء مصر هو الدكتور محمد سليم العوا ، فقد نُشِرَ على لسانه زورا أنه طالب بالتحقيق مع الدكتور البرادعي بسبب نفس الموضوع ، وقد صحح الدكتور العوا هذا الخبر بتصريحه للصحافة بأنه لم يذكر الدكتور البرادعي أصلا خلال الحلقة التلفزيونية التي زعم أنه تحدث عنه فيها . 


قد يظن البعض أن هذه المقالة دفاع عن البرادعي ، ولكنها إذا كانت دفاعا عن أحد فهي دفاع عن الدكتور زيدان ، لأن مصداقية الكبار تهتز بمثل هذه الصغائر . 


ولكن حقيقة الأمر أن هذه المقالة دفاع عن قيمتين : القيمة الأولى : قيمة علمية ، هي المنهجية ، وهي عاصم يعصم المجتمع من أن يسير خلف مجموعة من الغوغاء الذين يسوقونه سوقا إلى الهاوية . 


القيمة الثانية : قيمة إنسانية ، هي التواضع ! 


أنا أعلم أن الدكتور زيدان يملك عشرات المنابر التي ترحب به لكي يقصف كاتب هذه السطور ، وأعلم أنني – بسبب مواقفي السياسية – محروم من التواصل مع كثير من المنابر التي أستطيع منها رد القصف ، وليس أدل على ذلك من أن هذه المقالة قد أرسلت لجريدة الشروق ولكنها رفضت نشرها ، برغم أنها نشرت العديد من الأخبار المبنية على نفس الرواية المكذوبة ، وبالتالي رفضت الشروق نشر مقالتي في تواطؤ مهين للمهنية ، وفي تصرف منحاز لكاتب دار الشروق الكبير ، وهو أمر إن دل على شيء فيدل على أن رصيد الشروق لدينا كان أكبر بكثير مما تستحقه هذه الجريدة التي ما زالت تنحدر مهنيتها يوما بعد يوم ...! 


الآن حصحص الحق ، ونحن أمام روايتين ، رواية تقول إن البرادعي طالب بتدويل قضية النوبة ، ورواية أخرى تقول إن ذلك لم يحدث ، بل إن الرجل قد نفى ذلك ، ولكن إعلام الغوغاء تعمد تحجيم هذا التكذيب لأغراض لا تخفى على اللبيب . 


لا أستطيع أن أرشد الدكتور زيدان إلى كيفية الترجيح بين الرواياتين ، فهو أستاذنا جميعا في ذلك ، ولا أجد نفسي مضطرا إلى إرشاده إلى مصادر الروايتين ، لأنه إذا أراد أن يتحقق سيجد ألف مصدر يخبره بالحقيقة ! 

لا أدري كيف سيتصرف الدكتور زيدان ؟ أتمنى أن لا يقبل أن يكون مثل هؤلاء الغوغاء الذين سحلوا هيباتيا في شوارع الإسكندرية لمجرد مخالفتها في الرأي ...! وأتمنى أن لا يقبل على نفسه أن يكون ممن يتاجرون بمصداقيتهم وكتبهم (حتى وإن ترجمت للغة العبرية) ، كما يتاجر الآخرون بالألم حينا ، وبالأمل حينا آخر ...! 

إن اعتذار الكبار يرفع مقامهم ، ويعلي مكانتهم . أما إهدار دم المخالفين بروايات مكذوبة ، فهو تصرف الغوغاء ، وإذا قبل الحكماء ذلك على أنفسهم ، فقل على الأرض السلام . والسلام على أهل السلام . 

 


عبدالرحمن يوسف 
[email protected]