إنها الكلمة

2011-06-04

( منشور بجريدة الأهرام عدد السبت 4/6/2011 ) 


أحب في بداية حديثي أن أعبر عن سعادتي بالكتابة في الأهرام‏,‏ هذا الصرح المصري العربي العظيم‏,‏ الذي لا يملكه أحد إلا مصر والعروبة‏.‏ 


صحيح أن الأنظمة الفاسدة تفسد كل المؤسسات, وأن الرؤساء المستبدين يوظفون كل المنابر لكي ترفع من قامات الأقزام, ومن هامات السفلة, ولكن ذلك لم يغير من حقيقة أن الأهرام مهما حدث سيظل ملكا للأمة المصرية, بل للشعوب العربية كلها, وسنظل جميعا نعتز به ونفخر. 


إن الثورة المصرية العظيمة كانت نتاج مجموعة من الكلمات المقروءة والمرئية والمسموعة. ودور الكلمة عند من يعقلون هو الدور الحاسم الذي يغير نتائج المعركة, ويعيد كتابة التاريخ. لقد ظن بعض الطغاة أن بإمكانهم أن يمنعوا الناس من الكلام, ولكن ظنهم خاب, فقد تكلم الناس سرا, ثم جهروا بما أسروا به, وكان الكلام أول طريق الفعل, بل الحقيقة إن القول فعل. 


وظن بعض الطغاة أن بإمكانهم ترك الناس يتكلمون بما يشاؤون, وأن يفعلوا هم ما يشاؤون, وهؤلاء أيضا خاب ظنهم, فالكلمة حين تكتب أو تنطق لا تتبخر, بل تسقط علي الأرض كالبذرة, وتتربص بالمطر داخل التربة, ثم تخرج من قلب الأرض نبتة عفية شامخة. 


لقد تكلم أهل الحق بالحق, وتكلم أهل الباطل بالباطل,( واللسان سبع, إن خـلــي عنه عـقــر)! وقد عقر أهل الباطل ألسنتـهم, بعد أن قادتهم إلي موارد التهلكة, فها هو من قال:( سيبوهم يتسلوا) يذوق مرارة ما جره إليه لسانه. 


وها هم من قالوا كلمة الحق يسبغ الله عليهم نعمة حب الناس واحترامهم, فيمشون رافعي رؤوسهم بعد أن داس الزمان بميسمه كثيرا من الرؤوس المتعالية علي الناس بالزور. 


إن ما حدث في مصر أمر عظيم, وما تعلمته من هذا الأمر أن أقول كلمة الحق ولو علي نفسي والأقربين, وهذا ما أعاهد عليه القارئ في مقالتي الأولي في هذا الصرح العظيم. 

 

نحن مقبلون علي مرحلة صعبة, ستتفرق فيها الجماعات, وستتنافس فيها الأحزاب, وسيلعب الهوي بأفئدة الكثيرين, ويجب علي كل من يحب هذا البلد أن يراجع نفسه لا أن يرضي عنها(ومن رضي عن نفسه, كـثـر الساخطون عليه), وذلك لكي تنهض مصر مرة أخري, وذلك لن يكون إلا بمنح هذا الشعب الحق في الاختيار الحر, وذلك لن يكون إلا من خلال عمل وطني واع, يتعاون فيه الجميع من أجل تحقيق المتفق عليه, وهو كثير لو صدقت النوايا, وصفت النفوس, وذلك لن يكون إلا بعمل وطني لا إقصاء فيه, اللهم إلا لرموز العهد السابق الذين ينبغي أن يمنعوا من ممارسة العمل السياسي لمدة يتفق عليها. 

 

إن كلمة الحق في هذه اللحظة التاريخية تقتضي أن يتفق الجميع( من جميع التيارات) علي كلمة سواء, تتيح للمصريين أن يختاروا من يمثلهم تمثيلا حقيقيا, وذلك لن يكون إلا بأن تعلن كل التيارات أنها لن تستأثر بالبرلمان وحدها حتي لو حصلت علي أغلبية, وأن يعلن كل مرشح للرئاسة أنه في حالة فوزه سيشكل حكومة إئتلافية لا تقصي أحدا, وأن يعلن الكل أن الدستور ستتم كتابته بروح التجميع والائتلاف, لا بمنطق التخوين والاختلاف. 


لقد أسقطت الكلمة عرش الطاغية, وها هي تحاول أن تقيم بنيان الحق والخير. لقد أقذعت الكلمة في هجاء الظلام, وسنراها وقد أبدعت في مديح نور الصباح. وقديما قيل:( لسان العاقل وراء قلبه, وقلب الأحمق وراء لسانه)! 


لذلك لا بد من أن يحذر كل كاتب في هذه اللحظة الحرجة من تاريخنا من أن يفتح بكتابته باب فتنة, أو أن يسد طاقة أمل, أو أن يكون قلمه معولا يهدم ما يبنيه الآخرون من الخير, أو أن يكون ضميره في لحظة نعاس حين يحتاجه الناس في لحظة إفاقة. 


كم أتمني أن تتاح الفرصة لعقلاء مصر وحكمائها لكي يقولوا كلمتهم التي تنير الطريق لكل المصريين. كم أتمني أن تـبني التحالفات السياسية من أجل أن نعبر هذا المنزلق بأقل قدر من الخسائر, وفي أقصر وقت. 


علينا جميعا أن نغير من أنفسنا, وأن ننظر لهذه اللحظة بعين الحكيم الذي يصف الدواء, لا بعين الصياد الذي يشتاق الطريدة, وعلي كل من يري نفسه مؤهلا لحكم هذا البلد أن يتذكر قول القائل:( من نـصـب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره, ولـيـكــن تأديبه بسيرتـه قبل تأديبـه بلسانه, ومعـلـم نـفـسـه ومؤدبـهـا أحــق بالإجلال من معـلــم الـنـاس ومؤدبهـم) لقد أدت الكلمة دورها في ما مضي, وها هي في اختبار جديد من أجل أن ينهض هذا البلد العظيم, وأن يتحرك نحو النور, وخلاصة القول:( إذا تــم العـقــل, نـقــص الكلام)! والله يسدد الخطا 


[email protected]