ولاية السفيه‏..‏

2011-06-11

( المقال منشور بجريدة الأهرام عدد السبت 11/6/2011 م ) 


حين دخلت علي الدكتور سعيد جليلي الأمين العام للمجلس الأعلي للأمن القومي في مكتبه في طهران‏,‏ فوجئت به يستشهد ببعض أشعاري خلال الحوار‏,‏ فعرفت إلي أي حد يبلغ اهتمام الدولة الإيرانية بالمشهد السياسي في مصر‏,‏ وإلي أي حد يصل الولع الإيراني بكل ما هو مصري‏.‏ 

كنت في وفد مصغر, يتكون من الأستاذ أحمد السيوفي الصحفي بالأهرام, والشيخ علوي أمين من علماء الأزهر, والمهندس عادل المعلم الناشر المعروف, والأستاذة أماني ماجد, الصحفية بالأهرام, بالإضافة للكاتب الإيراني البارز السيد محمد صادق الحسيني. 


سمعنا من جميع المسئولين الإيرانيين كلاما رائعا عن ضرورة عودة العلاقات مع مصر, وعن إمكانية التعاون في كثير من المجالات, وأسمعناهم كلاما مماثلا في هذه المواضيع. 

 

ولكنهم سمعوا مني كلاما لم يعجبهم في موضوع( ما يحدث في سوريا), فأنا أطلقت عليه( ثورة), وكان ذلك بمنتهي الثقة, وهم أطلقوا عليه ما أطلقوه,( أحداثا, أو اضطرابات, أو مؤامرة), كل مسئول عبر بما يشاء, وكانت دلالة التعبيرات كلها تؤشر علي أن الدولة الإيرانية لا تري فيما يحدث في سوريا ثورة شعبية, بل تراه بشكل آخر. لكي أكون منصفا, فإن جميع المسئولين تلقوا كلامي بصدر رحب رغم اختلافهم معه, وجميعهم كذلك اعترف بأن النظام السوري نظام باطش, وأن هناك ظلما كبيرا وقع علي غالبية الشعب, وأن للناس مطالب عادلة ينبغي الإصغاء لها, ولذلك أصدرت إيران بيانا وضحت فيه أنه لا بد من الحوار بين الشعب والدولة, وأنه لا بد من الاستجابة لكثير من المطالب العادلة التي يطالب بها الناس. 

 

من الأمور التي أجمع عليها المسئولون الإيرانيون أن العائق الوحيد أمام عودة العلاقات المصرية الإيرانية( قبل الثورة طبعا) كان الرئيس المخلوع حسني مبارك, بالإضافة إلي بعض من حوله, وعلي رأسهم اللواء عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات. 

 

سمعنا كلاما كثيرا عن سعي حثيث, وجهود متواصلة من أجل عودة العلاقات المصرية الإيرانية, ولكنها كانت تصطدم بصخرة تعنت مبارك, وخضوعه لإرادة إسرائيل وأمريكا كما هو معروف. 

 

الغريب أن غالبية المسئولين الإيرانيين لم يكونوا يتوقعون اندلاع الثورة المصرية الآن, بل توقعوها في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي, وبعضهم توقعها خلال الحرب الأخيرة علي غزة, وحين مرت هذه الفاجعة يئس الجميع من الشعب المصري! 

 

لذلك كان من الواضح أنهم فرحون بهذه الثورة, لأنها جاءت بعد يأس من تغير الأوضاع في المنطقة. يري الإيرانيون أن الثورة المصرية تعيد ترتيب التوازنات الإقليمية في المنطقة بما يخدم قضايا العرب والمسلمين, وبما يفيد إيران. 

 

كان من ضمن الأسئلة المكررة في كل اللقاءات تقريبا, هل تأثرت الثورة المصرية بالثورة الإيرانية ؟ وهل تعتبر الثورة المصرية ثورة إسلامية ؟ كانت إجابتي( أنا وكل أعضاء الوفد المصري) بأن هذه الثورة العظيمة ثورة شعبية, ولا يمكن وصفها بأنها ثورة إسلامية بأي شكل من الأشكال. 


كان الإيرانيون يعترضون بقولهم: ولكن المظاهرات كانت تخرج من المساجد, وفي أيام الجمعة بالذات...! 

وكان الرد, نحن أمة متدينة بطبعها, مسلمين ومسيحيين, وهذه أماكن التجمع الطبيعية المتاحة في مثل هذا الوقت, ولكن شعارات الثورة لم يكن من ضمنها إقامة دولة أسلامية, أو أي شعار إسلامي سياسي, بل لم يكن للثورة أي توجه أيديولوجي واضح, فهي ثورة إنسانية, تطالب بالمشترك الإنساني الذي يجمع كل البشر, إنها ثورة تطالب بالعدل! 

 

كنت أضيف علي ذلك, بأن هذه الثورة كان عمادها جيل الشباب, وهذا الجيل( من مواليد عهد الرئيس المخلوع), لم ير الثورة الإيرانية أساسا لكي يتأثر بها, كما أنه لم يدرسها في أي مرحلة من مراحل دراسته, كما أن هذا الجيل كان باستمرار مغيبا عن التجربة الإيرانية تماما, لذلك من الصعب أن تكون الثورة المصرية قد استلهمت الثورة الإيرانية. 

 

سمعنا من كثير ممن زرناهم كيف أن القدر شاء أن يخلع مبارك في ذات اليوم الذي خلع فيه الشاه(22 بهمن), وقد كانت مصادفة غريبة بالفعل. رأينا هناك عديدا من رموز المجتمع, وكل من زار مصر كان يحن إليها, ويشتاق إلي تكرار هذه الزيارة. 


من عجائب الزمن التي اكتشفتها هناك, أن إيران تقيم علاقات دبلوماسية وثيقة بجميع دول العالم, باستثناء ثلاث دول: أمريكا, وإسرائيل, ومصر! 

 

إن المصلحة المصرية تقتضي أن تعود العلاقات مع إيران, وجميع من يقف في وجه إتمام هذا الأمر متهم بالعمل ضد المصلحة الوطنية العليا, ومتهم كذلك بموالاة أمريكا وإسرائيل, ذلك أن المستفيد الوحيد من هذه القطيعة هما الدولتان السابقتان. 


حين سألني سائل عن أوجه الشبه بين مصر وإيران أجبت: لقد عاشت إيران ثلاثين عاما في ظل ولاية الفقيه, ونحن عشنا ثلاثين عاما في ظل ولاية السفيه...!