سحر الديمقراطية

2011-06-18

( المقال منشور بجريدة الأهرام السبت 18-6-2011 م ) 


ما معني الديمقراطية أولا ؟ الديمقراطية في رأيي بدون أي تعريفات علمية‏,‏ وبدون أي تفلسف‏,‏ تعني‏:‏ انتخابات حرة نزيهة‏,‏ أو لنقل إن جوهر الديمقراطية هو الانتخابات التي تعطي الناس الآليات التي يستطيعون بها التأثير والتغيير‏,‏ بدون استخدام العنف‏,‏ وبدون انتظار نصف قرن في طابور القدر‏.‏ 


ولكن, ما معني الانتخابات الحرة النزيهة ؟ البعض يظنها عملية إحصائية تعتمد علي القدرة علي عد أوراق داخل صناديق بشكل سليم, والحقيقة أن الانتخابات عملية أكثر تعقيدا من ذلك. 


الانتخابات النزيهة تعتمد علي إجابتنا علي ثلاثة أسئلة: 

السؤال الأول: من ينتخب ؟ والإجابة النموذجية علي هذا السؤال: كل من بلغ سن الثامنة عشرة من المصريين يقيد في الجداول الانتخابية, ويحق ويجب عليه أن ينتخب, دون تفرقة بين مواطن وآخر, بسبب الدين أو الجنس أو العرق, ولا يستثني من ذلك أي مواطن( الاستثناءات محدودة جدا). 

 

السؤال الثاني: من يترشح ؟ والإجابة النموذجية هنا: من حق كل مصري بلغ سنا معينة( الثلاثين مثلا) أن يترشح دون قيد أو شرط, مستقلا أو في حزب... الخ! 

وهنا لا استثناءات إلا بحدود في غاية الضيق أيضا, مثل من ارتكب جرائم معينة, ومثل الوضع الذي تمر به مصر حاليا, حيث من المعقول أن يحرم من شاركوا في إفساد الحياة السياسية من الترشح. 

 

السؤال الثالث: كيف نـجري انتخابات ؟ والإجابة النمودجية هنا: لا بد لكي تجري انتخابات نزيهة من وجود ثلاثة أمور: الأمر الأول: الحرية... حرية تكوين الأحزاب, وحرية الحركة بين الجماهير, وحرية إنشاء الصحف, وحرية إقامة محطات التلفزة... الخ 

 

الأمر الثاني: حصانة من يشرف علي إجرائها ونزاهته, وذلك بأن يكون المشرف قاضيا, أو أن يكون تابعا لهيئة ذات حصانة مهمتها أن تشرف علي الانتخابات, بداية من القيد في الجداول وانتهاء بإعلان النتائج. 


وهذه الهيئة لا تتبع أحدا, ولا يحق حتي لرئيس الدولة أن يراجع قراراتها أو أن يعين أو يقيل أي أحد فيها. هذه الهيئة كلها بالانتخاب, ومن حقها أن تلغي الانتخابات, أو أن تعيدها في بعض المناطق, أو كل المناطق إذا ثبت التزوير, ومن حقها أن تلجأ لمن شاءت للإشراف علي الانتخابات. 


الأمر الثالث: الرقابة, وهذه أمرها معروف. و لكن... كيف ستحل الديمقراطية مشكلة مصر ؟ هل الديمقراطية سحر ؟ هل ستأتي الانتخابات بأناس من المريخ ؟ هل سينجح فيها ملائكة ؟ الانتخابات بدون تطويل كلام تقوم بشيئين اثنين: الأول: تضع حدا أقصي للفساد, ولا أقول(تقضي) علي الفساد. 

 

ولو طبقنا ذلك علي واقعنا, سنجد أننا سنظل نحظي ببعض الوزراء والمسئولين الفاسدين, ولكن من المستحيل أن يستمر وزير في منصبه لمدة عشرين سنة, و هو ملاحق منذ السنة الأولي بتهم من نوعية: إدخال مبيدات مسرطنة, أو تهريب آثار, أو شذوذ جنسي... الخ 

 

سيقال هذا الوزير بعد عام أو عامين, ولن يستمر لمدة ربع قرن...! 


الأمر الثاني: ستضع الانتخابات بالشروط السابقة حدا أدني لانهيار مستوي الأداء و الخدمات في المرافق العامة. 


و لو طبقنا ذلك علي واقعنا, فإننا لن نري نفس الأشخاص في مناصبهم وهم مسئولون عن موت ألوف الضحايا في العبارات, والقطارات, أو وهم مسئولون عن تلوث مياه الشرب بمياه الصرف, أو وهم مسئولون عن انحطاط مستوي التعليم... الخ 


و بالتدريج, سيرتفع مستوي الممارسة الانتخابية, و سيرتفع مستوي المسئول الإداري, و سيرتفع مستوي رجال السياسة و رجالات الدولة, لأن المنافسة ستكون من خلال تقديم أفضل الخدمات, أي أن المنافسة منافسة في الصعود والارتقاء, لا الانحطاط والانكفاء. 

 

هذا باختصار شديد جدا ذ ما تفعله الانتخابات في أي مجتمع يريد أن ينهض, بغض النظر عن مستوي تعليم أبنائه, أو مستوي وعيهم, وبغض النظر عن الموارد والطاقات المادية والبشرية. لقد انتخب الأميون والجهلاء والفقراء حكومات رائعة, في الهند والبرازيل وباكستان وتركيا... إن غالبية الناس لا يدركون أن الممارسة السياسية لا علاقة لها بالتعليم, ويستوي فيها الجاهل و العالم, والغني والفقير...! 

 

لسببين, الأول: قانوني, و هو أن الممارسة الانتخابية من حقوق المواطنة, و ليست من ميزات العلم, أو الأقدمية الوظيفية, أو الدرجة الاجتماعية... 

الثاني: عملي, فالممارسة الانتخابية لا تضر مع الجهل. وأنا هنا أفرق بين أن ينتخب الناس من يمثلهم, و بين أن يضع الناس الحلول العملية بتفاصيلها... إن وضع الحلول العلمية و العملية يحتاج إلي متخصصين, أما التوجهات العامة لسياسة الدولة, فهذه أمور يفهمها جميع الناس فهما عاما, وتجارب الشعوب المتخلفة( أعني التي كانت متخلفة) التي ذكرتها تشهد بذلك. والله يسدد الخطي... 


[email protected]