نكوص (2-2)

2012-10-15

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 15-10-2012 م 


نحن اليوم أمام طرفين كلاهما يجر الوطن إلى المجهول، وكلاهما يملك جزءا صغيرا من الحق، ثم يكمل حقه بما يتيسر له من الباطل، فلا ترى قصة تستقيم من أولها إلى آخرها. لن أدخل فى تفاصيل ما حدث، لأن ما حدث لم يبدأ فى ذلك اليوم، بل بدأ قبلها بشهور. 


لقد رزقنا الله بتيار إسلامى يتكبر على المصريين باسم الصناديق، ويتعالى على التيارات الأخرى لأن الناس انتخبته، وينسى فضل الآخرين عليه فى وجود هذه الانتخابات من الأساس، وهذه لعمرى مشية يكرهها الله ورسوله فى هذا الموضع، فكل من يوصف بالسلف الصالح كان يتواضع حين يصل إلى ما وصل هؤلاء إليه، ويبدأون عهودهم بأنهم قد تولوا وليسوا بخير الناس، وأستثنى من هؤلاء الرئيس محمد مرسى، فقد اجتهد أن يتجنب هذا العيب الراسخ فى الإسلاميين. 


وكذلك رزقنا الله بتيار مدنى سفيه، يحمل من الحقد والنزق ما يمكن أن يدمر الكرة الأرضية، وكثير منهم على استعداد لحرق الأخضر واليابس، ولولوج كل الطرق بالحق والباطل لكى يفشلوا الآخرين، حتى لو أدى ذلك إلى حكم عسكرى، أو إلى ضياع دم الشهداء، أو إلى ضياع الثورة نفسها. 


لقد رزق الله مصر بنخبة تملك من الطمع أكثر مما تملك من البذل، ومن الاندفاع أكثر مما تملك من الحكمة، ومن الكبر أكثر مما تملك من التواضع، ومن القيادات المنتفخة أكثر مما تملك من القواعد الواعية. سيقول الطرفان أنت تساوى بين الضحية والجلاد، وأنا أعلنها كلاكما جلاد قبل أن يكون ضحية، وكلاكما ضحية غبائه وكبره أولا! 

 

سيقول متطرفو الطرفين أنت لا تريد أن تتخذ موقفا واضحا، وأنا أعلنها بكل وضوح لست من الذين يخافون من اتخاذ المواقف، ولكنى لا يشرفنى أن أقف مع أى من الطرفين، ولو كنت فى الميدان فى ذلك اليوم لانسحبت، ولنصحت كل من حولى بالانسحاب، لأنها معركة لا شجاعة فى خوضها، وإننى لا يشرفنى أن أكون عبدالله المضروب، ولا يسرنى أن أكون عبدالله الضارب، ولست من الذين تحركهم دوافع لحظة الحقد، ولا من الذين تتحكم فيهم شهوة الانتقام. 

 

لن أكون من الذين نكصوا على ثورتهم، وسأظل وفيا لهذه الثورة، ولن أقبل أن أسير كنعجة فى أحد القطيعين، وسيظل ولائى لمصر كلها، ولن أقبل أن يفوق تحيزى لزعيم أو حزب أو جماعة تحيزى للوطن، وسأصرخ بأعلى صوتى : «يا أيها الناس.. عودوا إلى إنسانيتكم أولا، وذلك لن يكون إلا ببدء حوار وطنى جاد فورا!». عاشت مصر للمصريين وبالمصريين..