مهمة الرئيس القادم

2011-06-25

(المقال منشور بجريدة الأهرام 25-6-2011 م )  


عشنا لعقود في دولة أبوية تري في الرئيس شيخ القبيلة الذي يحمل هموم أبنائها‏,‏ ويرعي مصالح ضعفائها‏,‏ ويحنو علي كل عاجز أو محتاج‏.‏ 

ثم قامت ثورة يناير, وتبين أن هناك جيلا يتمرد علي الدولة الأبوية تلك, وينظر للسياسة بمنظور حداثي, ويطمح إلي دولة مؤسسات حقيقية, تعطي الشرعية لمن يختاره الناس عبر صندوق الانتخابات الشفاف.


 هذا الجيل تمرد وثار علي المنظومة السياسية كلها, بكل ما فيها من خير وشر, لأنه يري أن شرها أكثر من خيرها بكثير, ولأنه لم يعد مقتنعا بوصاية الأجيال التي سبقته وها هو يتقدم ليدير الأمور, ويساهم في رفع شأن هذا البلد العظيم, غير متنكر للأجيال السابقة, وغير معتمد عليها, متمثلا قول الشاعر: إنـا وإن أحسابنا شرفتلسنا علي الآباء نتكل نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثلما فعلوا الآن نحن أمام عدة مشاكل, من ضمنها من يكون رئيس مصر القادم ؟ 

في البداية أحب أن أنوه إلي أنني أري أن السؤال الأعمق يتعلق بماهية المطلوب من الرئيس القادم, ولكن للأسف يركز أغلب الناس علي شخص الرئيس لا مهمته. 


أعتقد أن المعركة الانتخابية ستكون صعبة علي الجميع, فلا يوجد حتي الآن علي الأقل مرشح أقوي من الآخرين بفارق كبير, بحيث يضمن نتيجة المعركة. 

لذلك سأكتب اليوم وحديثي للشباب بالدرجة الأولي عن إجابة السؤال الذي أراه أهم, وهو: ماذا نريد من الرئيس القادم ؟ الرئيس القادم سيكون أول رئيس منتخب في تاريخ مصر الحديث, وسيكون أول رئيس يتولي أمر هذا البلد, وقد اتضحت حقيقة الهدم المنظم الذي تعرضت له مؤسسات الدولة وسيكون أول رئيس يعتمد علي صدقه ومصداقيته بين الناس لتنفيذ برنامجه. 

مهمة الرئيس القادم ستتلخص في أمرين, الأول: رفع أنقاض البناء الذي تهدم. وذلك عن طريق تطهير الأجهزة الأمنية, وتطهير الإدارات الحكومية( خصوصا في المواقع القيادية) من الفساد والمفسدين. 


وليس المقصود بهذا الأمر الانتقام, بل هو أمر لا غني عنه, لأن بقاء القيادات الفاسدة في أماكنها سيكون من أكبر العوائق أمام تحقيق مطالب الثورة, خصوصا تلك الأهداف والمطالب التي تتحقق علي أمد طويل, كإصلاح التعليم, والصحة, والبحث العلمي, والإعلام... الخ. 


وهنا لا بد من الاعتماد علي الموارد الوطنية المخلصة, من المصريين في الداخل, ومن المصريين في الخارج. 

وستكون ميزة الاعتماد علي المصريين في الخارج أننا نحل عقدة( الخبير الأجنبي) بدون أن ندخل الأجانب في ملفات حساسة أو ذات طبيعة خاصة, كالتعليم مثلا. 


إن رفع أنقاض النظام السابق سيقتضي أن يقوم هذا الرئيس بالكثير من الإجراءات الرادعة, وأن يتخذ الكثير من القرارات الصعبة, وذلك في مواضيع شائكة, كانت الأجهزة الأمنية تديرها بمنتهي الرعونة, وتتصرف فيها بما يخدم الجالس علي الكرسي, ولا يخدم الأمة. 


باختصار, سيعيد الرئيس القادم لمصر الملفات السياسية إلي السياسيين, بعد أن جلست عقودا في أيدي مجموعة من ضباط أمن الدولة. 


وبهذا, سنري تعاملا جديدا, في مواضيع الفتنة الطائفية, والتعامل مع الدول الصديقة, والدول العدوة, والتعامل في كيفية تحقيق العدالة الاجتماعية, وكيفية مراعاة حقوق الإنسان, وكيفية تحقيق العدل بكفالة القضاء المستقل... الخ 


الأمر الثاني الذي ينبغي أن يفعله الرئيس القادم, هو رسم الخطوط الرئيسية لمرحلة البناء. وأقول( رسم الخطوط) فقط, وليس البناء الفعلي, لأن الرئيس القادم لن يكون الرئيس الذي يبني مصر, وذلك لأن البناء مستحيل بدون أن ترفع الأنقاض, ودون أن يرسم شكل المبني الذي ينبغي بناؤه, وهذا أمر سيستغرق وقتا...! 


هذا الرسم الذي أتحدث عنه, سيكون من خلال الاتفاق علي عدد من المشاريع الكبري التي توجه الشعب المصري للعمل, وتمكنه من الاستفادة القصوي من موارده البشرية والطبيعية, وهذه المشاريع لا بد أن تطرح للنقاش العام, ولا بد أن يؤخذ رأي الخبراء فيها بشكل ديمقراطي يحترم جميع الآراء. 


مثال ذلك: مشروع ممر التنمية للدكتور فاروق الباز, فينبغي أن يطرح هذا المشروع للنقاش في حلقات متخصصة, تذاع علي الهواء مباشرة علي الناس, وبحضور الدكتور فاروق الباز شخصيا, وبحضور المخالفين له في الرأي, مثل الدكتور ممدوح حمزة, بحيث يتفق الحاضرون علي حد أدني يطمئن الشعب المصري. 

 

خلاصة الأمر, ليس من المفيد أن نركز علي شخص الرئيس القادم, بقدر ما يفيدنا أن نركز علي مهمته التي ينبغي ألا نختلف عليها, ولو حدث أننا اتفقنا علي الحد الأدني من المطلوب منه, فسيكون الاختلاف حول شخص الرئيس أهون. 


والله الموفق ملحوظة: إلي عشرات القراء الذين أرسلوا لي يشكون من عدم ظهور تعليقاتهم علي موقع الأهرام, أشكركم علي حرصكم علي التعليق, ولكني لست خبيرا في هذه الأمور الفنية الدقيقة, مع تأكدي من أن الأمر غير مقصود.