القضاء المستقل «1-2»

2012-10-17

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 17-10-2012 م 


فى البداية لا بد أن أقول إننى أحترم قضاة مصر، وأن قضاة مصر فيهم عظماء وشرفاء، وإننى أتحدث فى المطلق، دون أن أقصد أى شخص بعينه.  


جميع الدول التى تطمح للتقدم لابد أن تضمن الفصل بين السلطات، وبالتالى لا بد من ضمان استقلال القضاء عن السلطة التنفيذية، لكى يلجأ المواطن لهذا الحصن الحصين، وهو مطمئن إلى أن الحاكم لن يستطيع أن يؤثر عليه بأى حال من الأحوال، وكذلك ليضمن المواطن البسيط أن المواطن الغنى القوى، لن يستطيع أن يؤثر على القضاء بماله أو نفوذه.  


ولكن.. ما هو القضاء المستقل؟ القضاء المستقل له شرطان، الأول: القضاة أنفسهم، والثانى: منظومة العمل والقوانين المنظمة لسير عملية التقاضى.  أما الشرط الأول، وهو القضاة، فلا بد أن نعرف من هو القاضى! 

وباختصار، القاضى هو ذلك التلميذ المجتهد الذى دخل كلية الحقوق، وتخرج منها بتقدير ممتاز أو جيد جدا على الأقل، ثم تقدم للالتحاق بسلك القضاء، فتم التحرى عنه، والتأكد من أنه ليس من المقدوح فى ذمتهم المالية أو شرفهم، والتأكد كذلك من أصله الطيب.  


ثم يتدرج هذا التلميذ فى سلك القضاء فى النيابة العامة وغيرها حتى يصل باجتهاده وتفوقه إلى ما يستحقه داخل منظومة القضاء بدرجاتها، دون تدخل من السلطة التنفيذية أو أجهزة المخابرات، سواء فى التعيين أو فى الترقى.  

 

هل ينطبق هذا الكلام على قضاة مصر؟ حين يُطرَحُ هذا السؤال أتذكر شاعر مصر الكبير الأستاذ فاروق جويدة، حين تجرأ فى عام 2005 – إذا لم تخنى الذاكرة – على طرح هذا السؤال، فتحدث بصراحة فى معايير تعيين وكلاء النيابة، وكيف أن جميع المقاعد محجوزة لأبناء القضاة، وأن غالبية من يعينون يكونون من الذين لم يحصلوا على الدرجات العلمية المطلوبة، فيتم تعيين أبناء القضاء «الفاشلين»، الذين حصلوا على «مقبول»، ويتم تجاهل أصحاب «الامتياز»، لأنهم لا ظهر لهم! 

 

فى تلك الأيام السوداء تم استدعاء فاروق جويدة لمكتب النائب العام، كان اسمه «ماهر عبدالواحد»، وتم التحقيق مع جويدة لمدة عشر ساعات، وكيف أنه أساء للقضاء المستقل الشامخ، وكانت النتيجة أن فاروق جويدة شاعر مصر الكبير الحاصل على جائزة الدولة التقديرية، عاد إلى بيته مكسور النفس، وتم نقله بعدها بقليل إلى المستشفى مصابا بأزمة قلبية، وكادت مصر تخسر قلما محترما قال كلمة حق، لكى يتشفى فيه نائب عام، يدافع عن تشوهات النظام القضائى.  أهذا هو القضاء المستقل؟ ... نكمل غدا !