دولة المخبرين !

2011-07-09

( المقال منشور بجريدة الأهرام 9-7-2011 م ) 


من هو المواطن الصالح في مصر ؟ لكي نعرف جواب هذا السؤال لا بد من العودة قليلا للوراء . كان المواطن الصالح في العهد الملكي هو ذلك الشخص المحترم الملتزم بالقانون ، أي أنه المواطن الإيجابي الذي يفيد المجتمع ، ويلتزم بالعقد الاجتماعي المبرم بين الناس والدولة ، وبين الناس بعضهم وبعض .


 أي أنه المواطن الذي يعمر بلده ، ويحترم القانون (ويحترم الملك بالطبع) . 

ولهذا المواطن الصالح كل الحقوق ، حسب قانون الدولة وحسب أعراف المجتمع المصري آنذاك . 

بعد قيام ثورة يوليو تغير تعريف المواطن الصالح ، وذلك بسبب زيادة سطوة أجهزة الأمن ، فأصبح المواطن الصالح هو ذلك المواطن المسالم ، السلبي ، الذي يعيش (في حاله) ، الذي يبتعد عن السياسة ، ولا يفكر في حقوقه السياسية أبدا ، وتم تصدير هذين الأمرين للدول العربية ، أعنى سطوة الأمن ، وتعريف المواطن الصالح بأنه مرادف للمواطن السلبي . 


لهذا المواطن بعض الحقوق فله عند الدولة راتب شهري ، يضمن له الفقر ، ويضمن له ألا يموت من الجوع ، وهو شبه معزز مكرم إلا إذا شاء حظه العاثر أن يقع في أي مأزق له علاقة بدنيا السياسة عن طريق الخطأ أو الوشاية أو الصدفة أو العمد ، فحينها لا شفاعة تنفعه إلا إذا شاء الله ، فالأجهزة الأمنية بعد 1952 تأخذ بالشبهة ، وتنتهك كل القوانين إذا تعلق الأمر بشؤون الحكم ، وأظن أن ذلك أمر لا يختلف عليه اثنان . 


إذن ... أصبح المواطن الصالح (في نظر الدولة) منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين هو ذلك المواطن الذي يمشي (جنب الحيط) كما يقولون . 

مع بداية العقد الأخير أو قبل الأخير من القرن العشرين قفز تعريف المواطن الصالح قفزة أخرى كانت الأسوأ في تاريخنا ، إذ لم يعد كافيا من السيد (مواطن صالح) أن يمشي (جنب الحيط) لكي تراه الأنظمة مواطنا صالحا ، لأن وجهة نظر الحكومات المصرية والعربية تطورت ، وأخذت بالأحوط ، فالمواطن قد يمشي (داخل الحيط) وفي نفس الوقت من الممكن أن يعمل ضد الأنظمة الحاكمة في السر ، لذلك صار مطلوبا من كل مواطن صالح أن يثبت صلاحه ! 


السؤال المنطقي هنا : كيف ؟ ولمن يثبت المواطن صلاحه ؟ الجواب : بدون لف أو دوران ... يثبت المواطن الصالح صلاحه لأجهزة الأمن ، أي أجهزة أمن الدولة أو المخابرات . 


أما كيف يثبت ذلك ، فخلاصة الأمر أن يكون عينا لهذه الأجهزة . بمعنى آخر : المواطن الصالح في نظر الحكومات المصرية والعربية خلال الفترة التي نتحدث عنها ... هو المواطن المخبر ! 


المواطن الصالح ، هو المواطن الذي يكتب التقارير ضد زملائه الطلبة في المدرسة والجامعة ، وضد زملائه في العمل في الوزارة أو الإدرة التي يعمل فيها ، أو ضد زملائه في الأجهزة الأمنية نفسها ...!


هذا المواطن الصالح (المخبر) ، له جميع حقوق المواطنة ، ويحظى بدعم كامل من جميع أجهزة الدولة ، لأنها تستجيب لأوامر أجهزة الأمن ، فهي التي تعيِّن ، وهي التي تقيل ، وهي التي تجيز حركة الترقيات في كل مكان في الجمهورية ، وهي التي تحرك الشكاوى ضد الناس أو تلقيها في أدراج النسيان . 


في هذا السياق تستطيع أن تفسر كيف وصل العديد من الكتاب الصحفيين والفنانين والممثلين والمذيعين عديمي المواهب إلى صدارة المشهد ، وكيف توارى آخرون من المشهود لهم بالكفاءة في غرف التجاهل المعتمة . 


الغريب في الأمر أن هناك ثورة قد قامت في مصر ، ولكننا ما زلنا نجد العديد من رجالات الإعلام في الصحافة والتلفاز ما زالوا في أماكنهم ، يوجهون الرأي العام ضد هذه الثورة العظيمة ، وهم في حقيقة الأمر مخبرون ، ولا همَّ لهم الآن سوى محاربة الثورة ، وتشويه أبطالها ورموزها ، وإثارة الشبهات حول أسبابها وأهدافها ، وإعاقة حركتها وهي تمضي للأمام . 


هناك كتاب أعمدة أفنوا أعمارهم في الدفاع عن الاستبداد ، وفي تشويه سمعة المعارضين ، وفي تجميل كل قبيح وتقبيح كل جميل ، وما زالوا حتى الآن يواصلون عملهم بمنتهى الهمة والإتقان ، فيهاجمون الرموز الوطنية بشتى الطرق المستترة والمفضوحة ، وبإمكانك أن ترى الكثير منهم بدون أن تبذل أي جهد ! 

إن أي مراقب للساحة الإعلامية المصرية يستطيع أن يرى أن وراء الأكمة ما وراءها ، وأن هناك أصابع خفية تحرض ضد الثورة والثوار ، وأن (غرفة عمليات) ما يسمى بالثورة المضادة ليست سوى مجموعة من البرامج والأعمدة الصحفية . 


لقد كان هؤلاء المخبرون يعملون بتوجيه الأجهزة الأمنية ، وكانوا يتلقون منها التعليمات ، ويكافأون على ذلك كما نعلم جميعا ، والسؤال الآن : بعد أن تم حل جهاز أمن الدولة ، وبعد أن قامت ثورة عظيمة لم يشهد العالم لها مثيلا ، بتوجيهات من يعمل هؤلاء المخبرون ؟ هل يتحركون من تلقاء أنفسهم ؟ لا أعتقد ، وأتمنى أن يخيب ظني ، لأن الإجابة التي تدور في هواجس الثوار ، قد تتسبب في ثورة جديدة ...! 

والله يسدد الخطا ...