من مستشارك ؟

2011-07-16

( المقال منشور بجريدة الأهرام 16-7-2011 م )  


تشتعل الدنيا في مصر بسبب ما يسمي بالفلول‏,‏ وتمتلئ صفحات الجرائد والشبكة العنكبوتية بكلام يفل الحديد حول غموض الفترة الانتقالية التي نعيشها‏,‏ وهل ستؤدي هذه الفترة إلي تحول ديمقراطي حقيقي؟ أم ستأخذنا إلي حقبة استبدادية أخري‏.‏ 


وفي هذه الأثناء يعود ميدان التحرير ليتصدر الواجهة, ويبدأ اعتصام جديد يدخل مصر في أزمة من الممكن أن تكبر حتي تصبح وكأنها ثورة جديدة, ومن الممكن أن يتم التعامل معها بحكمة فتصبح دفعة لثورة يناير للأمام. 


هناك تشنج من الطرفين (أعني المجلس العسكري, وشباب الثورة), وأتمني أن يكون هناك صدق في النيات من الطرفين أيضا. 


هناك من يري أن بعض المصالح الشخصية أو الحزبية تتدخل في تشكيلات الميدان, وأنا بدوري أقول إن هناك من يري نفس الأمر في قرارات المجلس العسكري والحكومة. 


لست بصدد محاكمة أي من الطرفين, ولا أستطيع أن أنكر تحيزي لمطالب الثورة, بل أعترف وأعتز بذلك كل الاعتزاز, وأعتز بدور القوات المسلحة, وأختلف مع كثير من قرارات المجلس العسكري. 


ليس سهلا أن يري المرء وطنه في هذا الموقف ثم يسكت, وليس سهلا أن يتكلم بكلام يخشي أن يحاسبه التاريخ عليه حسابا عسيرا, ولكن لا بد من أن يؤدي كل شخص دوره من موقعه, وقد شاء الله أن يجعلني كاتبا, لذلك سأكتب ما عندي وأمري إلي الله! 

 

إن الفجوة بين جيل المجلس العسكري وبين الثوار (وغالبيتهم العظمي من الشباب) تصعب عملية التفاهم بين الفريقين, وبسبب هذا الأمر تزداد قنوات الاتصال انسدادا, وتتوقف قوافل الحوار. 

 

لقد بادر المجلس العسكري في بداية هذه الثورة ببعض الإجراءات التي وضحت للشباب أنه يتفهم مطالبهم, وأنه يستطيع أن يتحدث معهم بلغتهم. 

 

أعتقد أن فكرة إنشاء صفحة للمجلس العسكري علي الفيس بوك لو كانت طرحت علي أحد قادة الجيش قبل الثورة بأيام لضحك ملء شدقيه, وربما اعتبرها إهانة, ولكن الأحداث جعلت المجلس يفعل ذلك مختارا. 


ولكن المجلس لم يستطع أن يستمر في نفس الطريق, وهذا أمر نقدره, فلا يمكن أن نطالب أعضاء المجلس بالدخول علي الفيس بوك لكي يعلقوا علي الكومينتات التي تأتي علي الصحفة مثلا! 

 

أنا أطالب بشيء آخر, وهو أن يحسن المجلس اختيار من يشير عليه في أموره المتعلقة بالحكم, وأن يختار نصف هؤلاء من الشباب الذين تقع أعمارهم بين العشرين والأربعين. 

 

صحيح أن القادة الكبار سيسمعون غثا كثيرا, ولكنهم سيرون الحقيقة التي لا شك فيها, من خلال مستشارين من ملح الأرض. 


جميعنا يعرف أن الشيطان يكمن في التفاصيل, وأن المجلس حين يفعل ذلك سيسمع الكثير من النقد, لأنه اختار فلانا, ولم يختر علانا, ولأنه جلس مع زيد, ولم يجلس مع عبيد, ولكن ذلك ليس عذرا لكي يكتفي المجلس بمستشارين من السياسيين الذي خرجوا من أجداث التقاعد, لكي يتصدروا الواجهة بعد ثورة قام بها أحفادهم. 


كم خسر المجلس بتعيين شخص مثل الدكتور يحيي الجمل في موقع المستشار ؟ ليس معني ذلك أن الدكتور يحيي شخص سيئ, بل غاية ما في الأمر أنه لا يستطيع أن يتفهم مطالب الشباب, وهذا أمر لا يعيبه. 


ما معني أن يشكوا الناس من الدكتور يحي الجمل فنأتي بشخص مثل الدكتور عبدالعزيز حجازي مثلا ليشرف علي حوار وطني موسع ؟ ما الفرق بين الرجلين ؟ كيف يمكن لوم من فهموا أن الأمر ليس إلا تحايلا علي مطالب الثوار المتعلقة بالحوار الوطني ؟ قل لي من مستشارك, أقل لك من أنت! إن السادة في المجلس العسكري أخطأوا خطأ كبيرا, ولعل هذا الخطأ هو الذي أدي إلي كل ما تلا ذلك من قرارات قللت من رصيد المجلس عند الناس, وعند الشباب خاصة. 


لقد أساء المجلس اختيار مستشاريه! هل سيعتبر البعض كلامي تجاوزا في حق المجلس ؟ ربما, ولكنني مقتنع بكل ما قلته. 


هل سيعتبر البعض مقالتي طلبا للتعيين كمستشار, أو بحثا عن دور ؟ لا شك أن البعض سيري المقالة كذلك, ولكن الله وحده يعلم أني قد اعتذرت عن كل المناصب التي عرضت علي قبل أن يدخل الأمر في حيز الترشيح الحقيقي. 

 

هل سيعتبرني بعض الثوار أتقرب للمجلس العسكري ؟ لا أدري...! 

خلاصة ما أريد أن أقوله, إن التواصل بين جيل الشباب وبين المجلس العسكري ممكن, ولكن لا بد من بذل الجهد من أجل أن يتم هذا الأمر, وهذا الأمر لن يتم إلا من خلال مستشارين شباب, يوصلون النبض الحقيقي لهذا الجيل الذي يري أن من حقه أن يحلم بغد يعيش فيه مكرما في بلده. 


سيقول بعض من يشير علي المجلس, إن هذا الجيل متفرق, وأهواؤه شتي, ولن تستطيع أن تختار منهم مستشارا واحدا دون أن تغضب مائة سواه, وأنا بدوري أقول: لو خلصت النيات ستتيسر كل هذه العقبات. 

والله يسدد الخطيء..