القضاء المستقل (2-2)

2012-10-18

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 18-10-2012 م 


بعد أن فهمنا أن معايير اختيار القضاة مختلة، وبعد أن تذكرنا مصير شاعر مصر الكبير فاروق جويدة حين فتح هذا الموضوع بشجاعة عظيمة فى عام 2005، بقى أن نعرف حقيقة الشرط الثانى لاستقلال القضاء، أعنى منظومة القوانين التى تنظم عمل القضاء.  


منظومة القوانين فى مصر فاسدة من أولها لآخرها، فقد تعاقبت على مصر برلمانات من الممكن أن نصفها بأنها «تأكل مال النبى، وتحلى بمال الصحابة»، دون أن نشعر بأننا قد بالغنا فى وصف بشاعتها.  لقد تآمرت هذه البرلمانات التى جاءت بالتزوير على مصر حتى بيعت كل مكتسبات الشعب المصرى، وحتى أصبحت مصر رهينة فى يد أمريكا وإسرائيل، وحتى أصبح المصريون عالة على الأمم.  

 

المنظومة التى تسير عمل القضاء كانت من ضمن المنظومات القانونية التى فسدت، شأنها شأن سائر المنظومات التى تنظم الجامعات والنقابات والشركات والصناعة والزراعة وغيرها! لذلك، ستجد الكثير من ضباط الشرطة قد أصبحوا قضاة، برغم أن هذا الأمر مشكوك فى جدواه، ومن شرع هذا الأمر ما شرعه وتوسع فيه إلا لغرض فى نفسه.  


وكذلك تنظيم عمل الهيئات القضائية، واستحداث بعض الهيئات القضائية والرقابية، كل ذلك تم بشكل لا يعرف الشعب المصرى دوافعه الحقيقية، ونرى الآن كثيرا من الهيئات القضائية تحاول أن تفرض على الجمعية التأسيسية وجودها، برغم أن حالة البلد تقتضى مراجعات كثيرة، ولكن جميع الهيئات القضائية تريد استمرار الأوضاع على ما هى عليه، بل تحاول أن تقفز للأمام بتثبيت الأوضاع بشكل دستورى يصعب عملية مراجعتها فيما بعد.  


كل هذه الأمور تجعل الشعب المصرى فى موقع الشك، هل قضاؤنا مستقل فعلا؟ إذا كانت معايير اختيار القضاة مشكوكا فيها، وإذا كانت منظومة القوانين المنظمة للهيئات القضائية مبهمة الدوافع والغايات، فكيف توافق الأمة على تثبيت الأوضاع الحالية التى تؤدى إلى تعطيل القضايا فى المحاكم عشرات السنين؟ هل يعقل أن يوصف نظامنا القضائى بالاستقلال؟ وإذا افترضنا أنه مستقل، فهل يمكن أن يوصف نظامنا القضائى بالكفاءة؟ 


إن أى عاقل ينظر إلى حال المتقاضين، وإلى أحوال القضاء المصرى لابد أن يدرك أننا أمام منظومة معطوبة تحتاج إلى مراجعة حقيقية شاملة، وأننا لابد أن نتخذ إجراءات تضمن استقلال القضاء، وتضمن كفاءته، وفى سبيل ذلك سيتضرر الكثيرون! 


لست محتاجا إلى أن أكرر قولى الذى بدأت به وأقول إننى أحترم قضاة مصر، وأن قضاة مصر فيهم عظماء وشرفاء، وأننى أتحدث فى المطلق، دون أن أقصد شخصا بعينه.  عاشت مصر للمصريين وبالمصريين...