قصة الرجل المريض‏...!‏

2011-07-30

( المقال منشور بجريدة الأهرام 30-7-2011)  


يحكي أن قرية صغيرة كان فيها عدة عائلات‏,‏ أكبرها عائلة الحكيم وكانوا من الفلاسفة والأدباء والمفكرين‏,‏ وكذلك من الفلاحين والعمال‏,‏ وعائلة الجندي وقد آتاها الله بسطة في الجسم‏,‏ لذلك كانت تتولي حماية القرية من الغارات‏,‏  وقد نجحت في ذلك علي مر السنين, وكان كبير القرية من عائلة الجندي علي مر عدة عقود, يحتكر السلطة والثروة, ويدافع عن سلطته بكل الطرق الممكنة مهما ظلم وقهر. 

 

كان في القرية ولي صالح, تعتمد القرية عليه في كل حوائجها, ولكن بسبب كبار عائلة الجندي وممارساتهم مرض هذا الولي الصالح, وأوشك علي الموت, وظلت عائلة الحكيم تنادي بضرورة إصلاح الأوضاع التي أدت إلي مرض الولي الصالح, وبضرورة علاجه في أفضل المستشفيات, ولكن عائلة الجندي لم تكترث, وظلت كل العائلة علي ولائها لكبير عائلة الجندي, احتراما له وتقديرا, فهو كبير العائلة منذ أكثر من ربع قرن. 

 

حين أوشك الولي الصالح علي الموت, قررت عائلة الحكيم أن تأخذ الولي الصالح إلي أكبر مستشفي في المنطقة, وفي سبيل ذلك اشتبكت بكبير عائلة الجندي, وبالفعل تحركت الجموع لتحرر الولي الصالح, وسقط شهداء وجرحي, وسطرت عائلة الحكيم آيات من البطولة من أجل القرية, ومن أجل الولي الصالح الذي يعشقه الجميع. 

 

أما كبير القرية, وعمدة عائلة الجندي فقد أصدر أوامره لكل أفراد عائلته بإطلاق النار علي أفراد عائلة الحكيم, ولكنهم والحق يقال رفضوا ذلك تماما, وقالوا له إننا لو أطلقنا النار عليهم فسوف يبدأ عهد من العداوة والبغضاء بيننا وبينهم, ونحن قادرون علي الاحتفاظ بكل مميزاتنا بدون تنازلات تكاد تذكر, ولكن بتغييرات شكلية تمتص غضب القبائل والعائلات, من ضمنها أن تتنازل أنت عن قيادتك للقرية, وعن منزلتك ككبير لعائلة الجندي. 


حينها قال لهم كبير العائلة إنكم بذلك سوف تضطرون إلي علاج الولي الحكيم في أكبر المستشفيات, وحينها سيوجه الناس إلي الإطاحة بكم. فقالوا له: ستقيم أنت في قصرك ولا تبرحه, ونحن سنتعامل مع الأمر بحيث تمر هذه( الهوجة) علي خير. 


بدأ قادة عائلة الجندي بالتنازل. لم يسمحوا لعائلة الحكيم بنقل الولي الصالح إلي المستشفي, ولكن سمحوا لهم بعلاجه في مكانه, وحينها قررت عائلة الحكيم أن تجري العملية في القرية, فاختاروا خيرة أطبائهم وأجريت العملية بنجاح باهر. 


بعد أن نجحت العملية اتفق الجميع علي أمرين, الأول: أن يكون المريض تحت عناية عائلة الجندي. الثاني: أن يتم ذلك وفقا لشروط عائلة الحكيم, وقد اشترطت شرطين, الأول العناية الطبية الفائقة, والثاني التغذية الصحية السليمة. 


عائلة الجندي قالت, نحن لسنا أطباء, ولا نرغب في أن نكون أطباء, لذلك سوف ندير, ولن نعالج!!! 


بعد مرور عدة أشهر, تدهورت أوضاع المريض نتيجة سوء عناية عائلة الجندي بالمريض, وحاول الجميع خلال هذه الفترة لفت نظر عائلة الجندي بالحسني, ولكن بلا فائدة, وبدأت القلاقل تظهر في القرية, فقد شعر الجميع بأن الولي الصالح مصيره الموت, وبدأت بعض العائلات( أهمها عائلة الصراف) بالضغط علي الجميع بما يملكون من أموال طائلة من أجل عودة الحياة لطبيعتها, خصوصا وهم يسمعون الولي الصالح يصرخ طوال اليوم من الألم, مما يسبب فرار الزبائن من متاجرهم وحوانيتهم. 

 

كان رد أطباء عائلة الحكيم أن الولي الصالح لا يصرخ بسبب العملية التي أجروها, بل بسبب سوء العناية الطبية, وسوء التغذية, وهذا مخالفة صريحة لشروط الاتفاق. وحذرالأطباء من أن الأمر قد يستدعي عملية أخري لإنقاذ حياة المريض, أو أن يأخذوه إلي أحد بيوتهم لكي يقدموا له العناية اللازمة, خصوصا أن نجاح العملية قد كلف العائلة مئات الشهداء وآلاف الجرحي. 


أصرت عائلة الجندي علي الاحتفاظ بالمريض, وبدأت بتوجيه الاتهامات لعائلة الحكيم, فبدأوا بالتشكيك في مهارة أطبائهم, وبدأوا بالتشكيك في العملية من أساسها, فبلغت صفاقة البعض بأن قال إن الولي الصالح لم يكن يحتاج إلي عملية أصلا! 


تدهورت أمور القرية, وبدا الصدام وشيكا بين العائلتين مرة أخري. تدخل الحكماء, وقالوا إن الصدام هذه المرة لن يرحم أحدا, وسوف يكون الخاسر الأكبر هو عائلة الجندي, لأنهم سوف يحرقون كل كبرائهم, ولن يستطيع الجيل التالي أن يقنع بقية أفراد القرية بأنهم أهل للقيادة, وستكون النتيجة إما فوضي عارمة, وإما أن تنتقل القيادة بالكامل إلي قبيلة الحكيم. 

 

أصرت عائلة الجندي علي المضي في غيها, حيث إن بعض كبرائها كانوا يتباهون بأنهم يستطيعون بالإشاعات أن يضحكوا علي عائلة الحكيم, كما كانوا يتباهون بأنهم يحملون شهادات دكتوراه في العناد. خلاصة الفصل الأخير, أن عائلة الحكيم أنقذت الولي الصالح. أما كبار عائلة الجندي, فقد أقاموا مع كبيرهم في نفس القصر, ولقوا نفس المصير.