الجرد قبل الحساب

2011-08-06

المقال منشور بجريدة الأهرام 6-8-2011 م 


كنت راكبا سيارتي في أحد شوارع حي مدينة نصر‏,‏ ومررت بتكدس مروري معتاد بجوار شارع عباس العقاد‏.‏ 

كان سبب التكدس هو ضيق الشارع بالبنايات العالية التي لم تكن في حسبان من خطط للمنطقة أصلا‏. فالشارع قد تم تصميمه وإقامة بنيته التحتية لاستيعاب بنايات من طابقين أو ثلاثة طوابق لا أكثر, ولكنه اليوم يخدم بنايات تصل إلي تسعة طوابق, وهي بنايات بدون أي جراجات, وبالتالي لا يملك السكان إلا أن يصفوا سياراتهم في نهر الطريق, صفا أولا, ثم ثانيا, يضاف إلي ذلك الذين يضطرون إلي صف سياراتهم من أجل قضاء حاجة, أو شراء غرض من أي متجر. 


في أثناء هذه المشكلة العويصة وجدت نفسي وجها لوجه مع شخص يصرخ بأعلي صوته:( آدي الثورة واللي جابته الثورة, ما وراناش غير العطلة والفوضي). 


هذا الكلام مثال صغير لما يمكن تحميله علي قفا الثورة من مشاكل لا علاقة للثورة بها, فأنا بحكم كوني من سكان مدينة نصر منذ السبعينيات أستطيع أن أقول جازما إن جميع مشاكل مدينة نصر قد حدثت في عقد الثمانينيات, وأوائل التسعينيات علي أقصي تقدير. 


هذه المشاكل تتلخص في أن حي مدينة نصر كان( كغيره من الأحياء) فاسدا من قمة رأسه إلي أخمص قدميه, وبالتالي تمكن كل من يريد البناء بشكل مخالف من( تضبيط) أموره مع المسئولين عن مراقبة البناء, وارتفعت أسعار الأراضي بناء علي ذلك, وتم التوافق المجتمعي علي أساس من الفساد, ولم يكن بإمكان أحد أن يسير خارج هذه المنظومة, بل إن من يسير خارجها مصيره إلي الخسارة, لأنه سيشتري الأرض بأكثر من سعرها الحقيقي( لو أنه بني عدد الطوابق الموجود في الرخصة بالشكل القانوني). 


وكانت النتيجة أن مدينة نصر أصبحت اليوم تحتوي علي أضعاف أضعاف ما يمكن أن تستوعبه, وكل ذلك تم قبل أن تحدث ثورة يناير بسنوات. بنفس هذا المنطق يريد بعض الذين يظنون أنفسهم أذكياء أن يحملوا ثورة يناير كافة ما يحدث في المجتمع المصري, وكأننا كنا نعيش في الجنة, ولم نعرف الجحيم إلا بقيام ثورة يناير! 

يحاول البعض أن يحاسبوا الثورة بالرغم من أنها ثورة لم تحكم البلد حتي الآن, وما زالت كلما أرادت أن تحقق مطلبا تعتصم في الميادين بالأيام والأسابيع, وما زال الثوار حتي اليوم( برغم انتصار الثورة النظري) يشوهون في وسائل الإعلام, ويتهمون في وطنيتهم, ويتهمون في ذممهم المالية, ويزايد عليهم من كان يركع ويسجد للرئيس المخلوع علي مدار عقود. 

قبل أن تحاسبوا الثورة, لا بد من عملية جرد أولا. 


فلنقم بهذا الجرد: أولا: كم بلطجيا كان في مصر قبل قيام ثورة يناير؟ 

ثانيا: كيف كانت حالة الوحدة الوطنية بين المسلمين والمسيحيين؟ 

ثالثا: كم يبلغ حجم الثروات التي خرجت من بنوكنا قبل وبعد الثورة ؟ ولا أستطيع أن أقبل أي محاولة لتحميل الثورة مسئولية هروب هذه الأموال, لأن من تولي الحكم كان يستطيع بإجراءات شديدة البساطة أن يمنع خروج هذه الميارات, ولكنه لم يفعل. 

رابعا: كم تبلغ الطاقة الإنتاجية للعامل المصري قبل الثورة؟ 

خامسا: كم يبلغ حجم الدين الداخلي والخارجي لمصر؟ 

سادسا: ماهي حالة المدارس والجامعات من ناحية الشكل والمباني, ومن ناحية جوهر العملية التعليمية نفسها من المرحلة الابتدائية وصولا إلي الشهادات العليا؟ 

سابعا: ما هي حالة البحث العلمي في مصر ؟ وما هو حال الباحثين ؟ وهل يتم تقديرهم ماديا ومعنويا خصوصا إذا قارناهم بالراقصات ولاعبي الكرة؟ 

ثامنا: ما هي حالة الإعلام والصحافة في مصر؟ وهل نملك إعلاميين متمكنين في مؤسساتنا؟ أم أن جميعهم قد سافر إلي الخارج؟ وهل نملك إعلاميين يجمعون بين المهنية وأمانة الموقف الوطني أم أن الجميع قد باع نفسه للسلطان ؟ 

تاسعا: ما هي حالة المواطن المصري صحيا ؟ وهل يملك المصريون أي شكل من أشكال التأمين الصحي الآدمي ؟ أم أنهم أصبحوا مجرد حيوانات وفئران تجارب للأدوية العالمية ومتجرا لقطع الغيار الآدمية للدول الغنية ؟ 

عاشرا: كيف هي حالة القيم في المجتمع المصري ؟ وهل يملك المجتمع المصري ثوابت أخلاقية في حياته العامة والخاصة؟ أم أن كل الثوابت قد تعرضت للتجريف علي مدار سنوات الحكم المبارك؟ هذه الأسئلة مجرد نماذج لعشرات الأسئلة التي ينبغي أن نجيب عليها, وستمثل الإجابة شكلا من أشكال الجرد, وعلي أساس هذا الجرد بإمكاننا أن نبدأ الحساب بعد عام أو اثنين أو عشرة. 


تبقي المشكلة الأخيرة, وهي: متي ستتسلم الثورة السلطة في هذا البلد؟ فمصر الآن لا حاكم لها, بل عليها مجلس عسكري يدير ولا يحكم, ولا يوجد أي قوة في مصر تزعم أنها تحكم أو تتحكم في البلد. لذلك لا بد أولا أن تتسلم الثورة السلطة, ثم نبدأ الجرد, ثم يأتي دور الحساب, أما تحميل المصائب علي قفا الثورة بالمجان فهو أسلوب رخيص لا يقبله أي عاقل أو منصف.