أكذوبة الحياد‏...!‏

2011-08-27

المقال منشور بجريدة الأهرام 27-8-2011 م  


يدهشني حد الغضب مطالبة البعض للكتاب والصحفيين والإعلاميين أن يكونوا محايدين خلال ممارسة أعمالهم‏.‏ ومن خلال فهمي المتواضع لطبيعة النفس البشرية أري أن الحياد منقصة‏,‏ بل سبة في بعض الأحيان‏,‏ خصوصا لهذه الفئة من الناس التي نتحدث عنها‏.‏


هل من المفترض أن أكون( ككاتب) محايدا وأنا أكتب عن الظلم ؟ هل أكون محايدا وأنا أكتب عن الاستعمار ؟ أليس لي رأي في تعذيب المواطنين العزل( في أي مكان) علي يد بعض أفراد الشرطة أو أجهزة المخابرات المحلية أو العالمية ؟ ألا ينبغي أن يكون لي رأي في سقوط القنابل العنقودية والفسفورية علي أحياء سكنية في العراق أو فلسطين أو أي مكان في الكرة الأرضية ؟ الإعلامي المحايد هو الإعلامي الانتهازي, عديم الشخصية, غير المثقف أو محدود الثقافة, الإعلامي المحايد هو ذلك الشخص الذي يمكنك توظيفه صباحا من أجل الإشادة بدور أمريكا في المنطقة, وبالشراكة الاستراتيجية معها, ثم توظفه مساء نفس اليوم من أجل هجاء الإمبريالية الأمريكية, لأنها تحدثت حديثا لينا عن عوراتنا وخزينا في مسائل الحريات أو الانتخابات أو غيرها. 

 

هو ذلك الإعلامي الذي يمدح النظام ويمجده ليل نهار, فإذا سقط تحول في جزء من الثانية إلي سبة ولعنة, ثم يتحول بعد ذلك بأسابيع إلي مخلب قط يوظفه من استقر له الأمر, ثم بعد ذلك يضع نفسه في خدمة آخر. الإعلامي( المحايد) هو ذلك النكرة عديم الفكر, الذي تراه يخدم الغالب دائما. 

 

الإعلامي الحقيقي صاحب الرسالة هو ذلك الإعلامي المتحيز لفكرة, الذي يملك شيئا ما يؤمن به, ويدافع عنه, وهو الذي يكون مع الوقت رصيدا عند القراء أو المشاهدين بسبب تراكم عمله في اتجاه أفكار واضحة, ويدفع ثمن هذا الانحياز لهذه المواقف, وينطبق ذلك علي الأفراد, والجماعات, والمؤسسات, والصحف, والقنوات المسموعة أو المرئية... الخ. 

 

الحياد أكذوبة! 

حتي الله سبحانه وتعالي لم يطالبنا به, قال تعالي: اولا يجرمنكم شنآن قوم علي ألا تعدلوا, اعدلوا هو أقرب للتقويب وهذا الأمر الإلهي هو الأقرب للمنطق, والأكثر اتساقا مع النفس البشرية وتكوينها, فالله سبحانه لا يطالبك بإلغاء ذاتك, ولا يطالبك بأن تكون( محايدا) في قضايا ينبغي أن يكون لك فيها رأي, أو يطالبك بأن تكون ملاكا, بل يطالبك بضبط النفس, وبأن تقيم العدل مع مخالفيك في الرأي, مع احتفاظك برأيك كما هو. 

 

بمعني آخر: لا يطالبك بحذف االشنآنب من قلبك, بل أن تتحكم فيه, وأن تمنعه من أن يتحكم فيك. التحيز هو الأصل...! 


والذين يتصدون للعمل الإعلامي والجماهيري لا بد أن يكونوا من هذا النوع من البشر الذي يؤمن بفكرة ما بصدق وإخلاص, وهؤلاء هم الذين ينهضون بالمجتمعات البشرية بحق. لذلك نري من أكبر خيباتنا الآن أن الإعلام جاهز دائما للقيام بدور المحلل لأي صاحب سلطة, وهو يقوم بذلك متطوعا, لأننا أمام آلاف الإعلاميين الذين جبلوا علي القيام بهذا الدور, حتي إنهم حين وضعوا في اختبار الحرية فشلوا, وظلوا في أماكنهم في انتظار أن تأتيهم الأوامر من جهة ما, وأن يظهر( اللهو الخفي) ليرعبهم. 

 

إن جزءا كبيرا من مشاكلنا نحن العرب خلال العقود الماضية أننا صدرنا للعمل العام مجموعة من المحايدين النكرات, وهؤلاء قد انتقتهم عناية السلطان وعيونه, فأصبحوا بأمر الأجهزة الأمنية جهابذة السياسة, وكبار الكتاب, ورجال الدين, وأمراء الشعر, وملوك البيان. 

 

هم من يكتب التاريخ كما يريد السلطان, ويستشرف المستقبل كما يرغب ولي العهد, هم من يري الحريات في صعود رغم كل قمع, ويري الاقتصاد في ازدهار رغم كل فقر, وهم من يري نصف الكوب ملآنا حتي إذا كان ملآنا بالدم, وهم من يري الرئيس( أي رئيس, وكل رئيس) ملهما, ويرون كل خطاب له خطة عمل قومية, وكل زيارة له زيارة تاريخية, وكل قراراته حكيمة حتي لو كانت قرار قتل, وهم كذلك من يري كل مخالف للرأي... شخصا اغير محايد, مشبوه الانتماء الوطني, يتلقي تمويله من الخارج. 

 

الإعلامي المحايد عجينة يشكلها السلطان كيف يشاء, فتارة يجعلها حذاء يلبسه, أو بساطا يدوس عليه, أو خاتما يتزين به, أو حتي إلها من عجوة يتعبد له وإن جاع أكله. الحياد... أن تكون مع السلطان, إن ذهب شرقا شرقـت, وإن ذهب غربا كنت أول المغربين, وإن ذهب شرقا وغربا, قطعت نفسك نصفين ليذهب هذا إلي شرق والآخر لغرب. 


أما التحيز... فهو أن تقول كلمة الحق, دون تجن علي أحد, ودون صادرة علي حق الرأي المخالف في الوجود, فأنت تقاتل من أجل رأيك, ولكنك علي استعداد للشهادة من أجل أن يقول الآخرون آراءهم بحرية. 


[email protected]