تـغـيــر في الشخصية المصرية

2011-09-03

المقال منشور بجريدة الأهرام 3-9-2011 م  


أسكن في قرية في ريف محافظة الجيزة‏,‏ ويتعبني أن أري كل يوم رقعة اللون الأخضر تنحسر لصالح عشوائيات البناء المخالف لكل القوانين‏.‏ 


استغل بعض الناس حالة الانفلات الأمني للبناء فوق آلاف الأفدنة الزراعية, بعضهم بدأ في البناء في يناير2011, برغم توقف كل أشكال البناء والتعمير في مصر, إلا أن هؤلاء لم يتوقفوا, وأنا أتحدث هنا عن مبان شاهدتها ترتفع بنفسي, وليس نقلا عن أي أحد. 


إن أسوأ ما في مشكلة البناء علي الأرض الزراعية أنها تعتبر تغيرا جوهريا في الشخصية المصرية, فالمصري ــ علي مدار تاريخه الطويل ــ هو ذلك الإنسان المرتبط بأرضه, لا يغادرها أبدا, ولا يقبل باحتلالها, فهو حين السلم زارعها, وحين الحرب حاميها. المصري مزارع يمتد عمره لآلاف السنين, وحفاظه علي أرضه واستثماره لها زراعيا مضرب المثل عبر التاريخ, فهو يعرف كيف يستخرج من هذه الأرض طاقتها القصوي, ويعرف كيف يوظفها أفضل توظيف كمزارع فرد, وكمنظومة زراعية جماعية. 

 

تستطيع أن تراقب معني الأرض في فيلم( الأرض) للمخرج الرائع يوسف شاهين, وبطولة الفنان العبقري محمود المليجي ومجموعة من كبار فناني هذا الزمن, وكيف قاتل هذا الفلاح البسيط, وتحركت معه البلدة كلها لكي يحافظوا علي قراريط بسيطة من أن تضيع لكي يشق طريق إلي قصر أحد الأغنياء.

 

قارن ذلك الآن بما يفعله الفلاح المصري في أرضه من تدمير وتبوير, وكيف يستخدم الناس كل ما يملكون من الحيل لكي تدخل أراضيهم الزراعية إلي ما يسمي( كردون المدينة) وتصير أرضا للبناء, لا للزراعة. في الماضي كانت القرية تمد المدينة بحاجاتها من الطعام والشراب, وكانت القرية تختزل في اسمها الخير والسلام والسكينة. 


اليوم أصبحت القرية تعيش عالة علي المدينة, وتعتبر نفسها سيئة الحظ لأنها لم( تتمدن) بعد, وتري الكثير من أهل القري يرغبون في ترك قراهم وحقولهم إلي المدينة, وحبذا لو كانت مدينة خارج القطر المصري. 


ما الذي حدث ؟ لقد تمكنت سياسات العهد البائد من جعل القرية كائنا متخلفا, وأصبحت الزراعة عملا غير مربح, وأصبح الفلاح يعيش في عسر لا مثيل له, وبالتالي بدأت حركة البناء علي الأرض الزراعية, لأن الزراعة لا تكفل للمزارع حياة كريمة, وفقدت مصر مئات الآلاف من الأفدنة الزراعية, بعضها كانت من أجود الأراضي في مصر. لقد أصبحت فكرة الزراعة نفسها فكرة غير جذابة, وأصبحت كلية الزراعة كلية غير مرغوبة, كل ذلك في بلد عاش يزرع آلاف السنين, وارتبطت حياته بالأرض وزراعتها عبر أطول تاريخ بشري عرفه الكوكب. 

 

إن تغيير نظرة المصريين للأرض, واحتقارهم لفكرة الحرث والزرع, يعتبر من أسوأ أنواع التغييرات التي دخلت علي الشخصية المصرية خلال العهد البائد, وهو أمر ينبغي الوقوف في وجهه, ومقاومته لكي تظل مصر عظيمة كما هي. 


إن تصرفات الحكومات المصرية تجاه أهل الريف توحي بشيء من التنكر للأصول, فتري سائر الخدمات تتجه لإشباع حاجات أهل المدينة, ويظل الريف والصحراء في حرمان نسبي أو كلي, ويظل أهل الريف والصحراء محبوسين في عالمهم, ولا يتم استدعاؤهم إلا من أجل بعض المظاهر الاحتفالية الفلوكلورية المضحكة, أو من أجل أن نمن عليهم ببعض حقوقهم في ثروات البلاد, عند افتتاح مصنع أو مشفي أو مدرسة. 

 

لقد حدث تدمير متعمد للزراعة المصرية, وكان النظام يتعمد أن يترك الناس تبني علي الأراضي الزراعية ــ وهي ملك لكل أجيال الأمة ــ ثم يتجاوز عن هذه المخالفات في موسم الانتخابات لكي يصوتوا لرجاله الفسدة المفسدين. 


كانت النتيجة أننا قد فقدنا حوالي مليوني فدان من الأراضي الزراعية في مصر! لو لم يكن لنظام مبارك من جريمة سوي هذه فكفاه. ما الحل ؟ الحل ــ في رأيي المتواضع ــ أن تصبح الزراعة عملا كريما, وعملا مربحا في نفس الوقت. 


وليس معني ذلك أن نجعل نصف مجلس الشعب من الفلاحين, فهذا تصرف قد أثبت فشله من عشرات السنين, بل الحل أن ندعم المزارع, بحيث يعيش حياة كريمة, وبحيث يربح من بيع محصوله. 


هناك عشرات الحلول لدعم المزارع المصري, من ضمنها دعمه ببعض أموال الدعم السفيه للطاقة الذي تلتهمه مصانع الأسمنت والسيراميك والأسمدة. 


لقد تعمدت وزارة الزراعة في بعض السنوات معاقبة الفلاح المصري لأنه زرع محصولا كالقمح, وكان ذلك لأسباب سياسية تتعلق بقدرة مصر علي تأمين قوتها, في عهد رئيس لم يكن يهتم بمثل هذه الأمور التافهة قدر اهتمامه بتأمين قصره. 


ما هي خطة الزراعة المصرية في المرحلة القادمة ؟ إلي متي سنتفرج علي آلاف الأفدنة وهي تتحول إلي غابات من المدن العشوائية التي تصدر التطرف والجهل ؟ إلي متي ستبقي الدولة تتفرج علي حركة البناء علي الأراضي الزراعية التي تضاعفت بعد قيام ثورة يناير بسبب الانفلات الأمني ؟ أم تري يريد البعض أن يعتبر الثورة أيضا سبب هذه المشكلة ؟