التحرش الثقافى

2012-11-06

المقال منشور بجريدة اليوم السابع 6-11-2012 م 


نوع جديد من أنواع التحرش، إنه التحرش الثقافى. 


التحرش الجنسى رأيناه جميعا فى الشوارع والجامعات وفى كل التجمعات فى كل المناسبات، والتحرش السياسى كتبت عنه هنا فى هذه الزاوية منذ عدة شهور، وقلت إن هناك من يحاول معاقبة المرأة المصرية إذا نشطت سياسيا، من خلال عصابات موجهة مدفوعة الأجر تتحرش بالناشطات مع سبق الإصرار والترصد. 

 

التحرش الفكرى هو درجة أخرى من درجات التحرش، ولعلها أسوأ الدرجات، وتعريف هذا التحرش: «هو أن يظن الذكر أن من حقه أن يتحرش بالأنثى لأنها ارتكبت خطأ ما فى نظر تقاليد المجتمع، أو لأنها لم تتخذ كل وسائل الاحتياط التى تمنع المتحرشين». 


هذه الفكرة التى ترسخت فى أذهان كثير من الذكور أخطر من عملية التحرش ذاتها، لأن من يتحرش وهو يعتقد أنه يرتكب أمرا حراما أو عيبا مقدور عليه، ومن الممكن ردعه، أما من يتحرش بامرأة وهو يعتقد أنها مهدرة العرض والكرامة لأنها أخطأت- حسب زعمه- فى لباسها أو فى طريقة كلامها أو فى المكان أو الزمان الذى وجدت فيه.. هذه الفكرة مصيبة كبرى، لأن من يعتنقها لا يقبل أن تقاومه الضحية، ولا يقبل أن يزجره أحد، ولا يرى نفسه مخطئا بحال من الأحوال. 

 

هذه الفكرة التى تستكثر على المرأة أن يكون لها مكان خاص فى المواصلات، وترى أن كل شكل من أشكال السفور- حسب تعريفه هو للسفور- وكأنه يبيح عرض المرأة، فترى هؤلاء يقولون فى أى حادثة تحرش «وهى لابسة كده ليه؟ وإيه اللى وداها هناك؟ تستاهل لأنها كيت وكيت». 

 

أسوأ أنواع التحرش الثقافى هو الذى يتخذ من الثقافة الإسلامية سيفا يقطع به رقاب الإناث، ودرعا يحتمى به من الرجال الحقيقيين إذا دافعوا عنها، فيرى المرأة التى ارتكب فى حقها هذا الفعل الفاضح فاجرة، ويرى الرجل الذى يدافع عنها ديوثا! 

هؤلاء لم يقرؤوا فقها ولا تفسيرا، ولم يعرفوا فقه الأولويات أو فقه الواقع، بل تلوثت أفكارهم بعادات ما أنزل الله بها من سلطان، وظنوا أن ذلك شرع الله، والشرع منه براء. أسوأ ما حدث فى موضوع التحرش، أنه صار ثقافة ذكورية مدعومة برؤية دينية متخلفة، تبرر للمتحرش سلوكه، وتلوم المرأة دائما. 


فى النهاية.. انتشر على بعض المواقع كلام فى هذا الموضوع على لسانى، وكله كذب، ولا يمكن أن أصف هذا الكلام سوى بأنه كلام لا علاقة له بالدين ولا العقل ولا القانون ولا المروءة، ولا يمثل أفكارى بأى حال من الأحوال. وهذا خلاصة رأيى فى التحرش، ورأيى مبنى على الشرع أولا، وعلى المنطق والعدل ثانيا، فالإنصاف يقول «المجرم مجرم، والضحية ضحية».