إسلامية؟ أم علمانية؟

2011-09-10

المقال منشور بجريدة الأهرام 10-9-2011 م  


ثارت معارك بين أبناء مصر بعد خلع الرئيس مبارك‏,‏ ظاهرها أنها خلاف حول سلم الأولويات للمرحلة الانتقالية‏,‏ أو حول ترتيبات ما بعد المرحلة الانتقالية‏,‏ ولكن الحقيقة أنها خلافات حول هوية مصر‏.‏ 

 

فعناوين مثل( الدستور أولا),( الانتخابات أولا),( المبادئ الحاكمة), بل حتي تفاصيل قانون الانتخابات وهل تجري الانتخابات بالقائمة الفردية.. الخ, كل هذه الخلافات في حقيقتها أعراض للداء الأكبر الذي يتعلق بهوية الدولة والأمة, هل مصر دولة إسلامية؟ أم علمانية؟ هناك تعريفات متعددة للدولة الإسلامية, فمن الإسلاميين من لا يري في الدولة الإسلامية سوي سلطة مطلقة لهيئة من علماء الشيرعة, تستطيع هذه السلطة أن تعدل ما يختاره أي برلمان منتخب, وتستطيع أن تقف ضد أي شريعة جماهيرية باسم الشريعة, أي باسم الله, والدولة في نظر هؤلاء كيان منظم وظيفته أن يطبق الحدود الجنائية من جلد وقطع, وتلك الدولة تنتج مجتمعا متشددا في ظواهر الأمور كاللحية, والنقاب, وما إلي ذلك, دون أن تلج إلي صحيح المقاصد الشرعية التي يريدها المشرع سبحانه وتعالي. 

 


هذا التصور للدولة الإسلامية موجود, ولكنه تصور مرجوح, وعليه عشرات الردود من الإسلاميين أنفسهم, والتيار الأكبر منهم لا ينظر للدولة بهذا المنطق السطحي المتشدد, بل يري الشعوب مرجعا أعلي لا ينبغي تجاوزه, وهذا الفريق من الإسلاميين يعفي نفسه من أسئلة ساذجة تتعلق بافتراضات مستحيلة, مثل سؤال: ماذا لو اتفق الناس علي إباحة الزني مثلا؟ فهم يعلمون علم اليقين أن الجماهير لن تتصادم مع المبادئ الكبري للإسلام, وأن غالبية المصريين- حتي من غير المسلمين- أهواؤهم مع فضائل الدين. 

 


وبالتالي تكون الدولة الإسلامية في نظر هؤلاء هي تلك الدولة التي تري في مقاصد الشريعة العظمي مرجعية للمجتمع بكل طوائفه, وذلك بالاتفاق لا بالإجبار, طبقا لمبدأ( لا إكراه في الدين), وطبقا لمفهوم الرضا في العقود, والذي تقره الشريعة في سائر المعاملات, ومن ضمنها التعاقدات السياسية التي يتعاقد فيها المجتمع مع ذاته, بل إن هذه العقود أولي بتطبيق مبدأ التراضي من العقود التجارية الفردية. 

 

هذا الفريق من الإسلاميين يحترم وجود تيارات أخري في مصر, منها بعض التيارات العلمانية, ولا يريد أن يمنعهم من العمل, بل هو مستعد لمد اليد لهم للتعاون فيما يمكن الاتفاق عليه. 

 

هناك طرف آخر يريد أن يري مصر مجتمعا علمانيا متطرفا في علمانيته, فهو لا يري أن الفصل بين الدين والدولة كاف, ولا يري أن منع الممارسة السياسية باسم الدين طبقا لما جاء في قانون الأحزاب الجديد كاف, بل يريد هذا الفريق أن يري مصر منفصلة عن دينها تماما, فهو تيار ذو حساسية شديدة تجاه أي مظهر من مظاهر التدين بدءا من لحية أو حجاب علي شاشة التلفاز, وصولا إلي سجدة لاعب أحرز هدفا, مرورا بنظريات إسلامية في السياسة أو في الاجتماع أو في الاقتصاد. 


هناك وجهة نظر أخري في نفس التيار العلماني تحترم الهوية العربية الإسلامية لمصر ولا تري في إقصاء الدين هدفا في حد ذاته, بل يعتبر الإسلام مخزنا للطاقات التي من الممكن أن تضاعف قدرة الأمة علي الابداع والعمل, ويري في الإسلاميين تيارا سياسيا من الممكن أن يكون منافسا اليوم, ومن الممكن أن يكون حليفا غدا, ويري الخلاف معهم خلافا تمكن الحياة معه, ولا يري في وصولهم للسلطة نهاية الدنيا. 

 

مصر لن تكون دولة إسلامية( بالتعريف المتشدد في بداية المقال) ولن تكون دولة علمانية( بالتعريف المتطرف الذي ذكرته منذ أسطر). 

 

ستظل مصر كما هي, فيها أكبر علماء الدين وأعظمهم, وفيها أكبر ممثلي ومخرجي السينما العربية, ستظل نري فيها المساجد, والمواخير, وسنري فيها أقوي التيارات الإسلامية, وستظل منبع الأفكار التنويرية التي قد تتصادم مع الدين في بعض الأحيان. 

 

إن محاولة صبغ مصر بلون واحد تعتبر سذاجة وسباحة ضد التاريخ, ومحاولة اخراج مصر من هويتها العربية الإسلامية كمحاولة تبخير البحر, ومحاولة إلغاء التعدد الثقافي المتراكم في مصر علي مدي عشرات القرون كمحاولة تعبئة البحر في زجاجات. 


سيلتحم الفريقان خلال الفترة المقبلة( أعني الإسلاميين والعلمانيين) وسيساعد علي ذلك وجود كثير من المتطرفين والحمقي في التيارين, وعدم وجود كبراء للفريقين يملكون من الحكمة ما يكبح جماح الصغار, وستكون نتيجة هذا الالتحام درسا كبيرا يتعلمه الجميع, وهو أن مصر عربية إسلامية, ولكنها ليست ملكا للإسلاميين, وأن مصر بطبيعتها متسامحة متعددة الرؤي والأهواء, ولكنها لا تسلم نفسها لأي تيار علماني دخيل. 


يظن البعض أن الصراع بين التيارين شر كله, وأنا أري فيه تدافعا طبيعيا, سيؤدي إلي خير كبير, ولن نصل لهذا الخير إلا بعد أن ندرك الشر المستطير الذي يغلف خلافاتنا. والله الموفق 


[email protected]