أخي ضابط الشرطة لا تصدقهم‏!‏

2011-09-17

المقال منشور بجريدة الأهرام 17-9-2011 


برغم عدائي للنظام السابق‏,‏ إلا إنني كنت أفرق بين النظام من حيث هو نظام وبين الأفراد الذين يعملون داخله‏,‏ فلم أكن أسمح لمشاعري بالشطط‏,‏ ولم أكن أحب أن أحمل المسئولية للجميع بنفس القدر‏,‏ لذلك لم أتعامل مع رجال الشرطة وكأن مشكلة شخصية بيني وبينهم‏,‏ بل كنت من دعاة تحييد أجهزة الأمن في معركتنا مع النظام‏.‏ 

 

صحيح أن الوقت لم يتسع لمسألة التحييد تلك, وقامت ثورة يناير قبل أن ننجح في منع الصدام بين الشرطة والشعب, ولكن هذا ما كنا نخطط له علي الأرض, وما زال في درجي عدة دراسات في كيفية عزل مبارك ورجاله, بحيث يشعر رجال الشرطة أنهم جزء من الشعب, وأنه لا مصلحة لهم في الدفاع عن هؤلاء الفسدة. 

 


لي أصدقاء في جهاز الشرطة من أعز أصدقاء العمر, بعضهم تمتد صداقتي معه لأكثر من ثلاثة عقود. لكل ما سبق أحب أن أرسل رسالة مخلصة لإخواني المصريين من عساكر وصف ضباط وضباط الشرطة, وأخص بهذه الرسالة ضباط الشرطة من الرتب الصغيرة والمتوسطة. 

 

أخي ضابط الشرطة... لا تصدق من يقول لك إن مبارك هو الذي جلب لك الكرامة, لقد جلب لك الكره, وصدرك في المواجهات مع الناس في كل كبيرة وصغيرة بالظلم حتي كرهك الشعب, وتأكد أن كره الناس لا ولن يزول مرة واحدة, بل علي مراحل, أد واجبك ليشعر الناس بالأمان, وحينها ستشعر أنت باحترامهم وحبهم لك. 

مبارك لم يأت لك بالعزة والكرامة, بل هو من تسبب في كل إهانة وجهت لك ولوزارتك بعد أن قامت الثورة. أخي ضابط الشرطة... إن المطلوب منك الآن أن تقول (لا لمخالفة القانون), لا أن تقول (تمام يا افندم). 

 

سيقول لك بعضهم اضرب لأن هيبة الدولة تضيع, لا تصدقهم. هيبة الدولة تأتي بالتراضي, لا بالإرهاب, لذلك قل (لا لمخالفة القانون), وتأكد أنك حين تخالف القانون لن يزيد مرتبك, ولن يرتفع معاشك, ولن يتحسن تأمينك الصحي, ولن يصبح أبناؤك أغني أو أكرم, بل سيخزن الناس حقدهم عليك وعلي مؤسستك حتي ينفجر هذا الحقد مرة أخري, وسينفجر بشكل أكبر.


إن هيبة الدولة لا تأتي بالعصا, بل بالاحترام أولا, ثم بالعصا بعد إذا استلزم الأمر, والمثل يقول: (من طالت عصاه, قلـت هيبته), لذلك تأكد أن العصا تزرع الخوف, ولا تنبت الهيبة, والخوف ينكسر إن عاجلا أم آجلا, وبعد انكسار الخوف لا بد من دفع الثمن. أخي ضابط الشرطة, لا تصدق من يقول لك إن هذا الشعب لا يمكن حكمه إلا بالكرباج, فأنت منذ شهور تعيش الحقيقة المرة التي تقول إن الكرباج يتقطع في يد صاحبه, ولكن ظهر المجلود يبقي مجروحا, فيشعر برغبة في الثأر, فكيف ستدافع عن نفسك ضد آلاف المجلودين وقد تقطع الكرباج من كثرة الجلد؟. 


وتذكر قصة والي خراسان حين أرسل للخليفة عمر بن عبد العزيز يستأذنه في أن يرخص له في استعمال بعض القوة والعنف مع أهلها قائلا في رسالته: (إن أهلها لا يصلحهم إلا السيف والسوط)!, فرد عليه عمر قائلا: (كذبت بل يصلحهم العدل والحق, فابسط ذلك فيهم, واعلم أن الله لا يصلح عمل المفسدين). 

 

أخي ضابط الشرطة, تأكد أن إصلاح وزارة الداخلية ممكن, ولكن هناك من يقف ضد هذا الإصلاح, والهدف من ذلك أنه يريد أن يستخدمك مرة أخري في أهداف فاسدة ضد إرادة الأمة, وضد سيادة القانون, كن ترسا في ماكينة إصلاح الشرطة, ولا تستجب لمن يحاول أن يستغلك. 

 

أخي ضابط الشرطة, سيقول لك البعض إن الحل في مزيد من العنف, وأنه بدون ذلك (البلد تولع), لا تصدقهم, فهم من قالوا لك قبل ذلك إن هذا الشعب لن يتحرك مهما فعلنا فيه, وهم من ضمنوا لك أن أحدا لن يحاسبك مهما فعلت, وكانت النتيجة أنك تتحمل مسئولية معركة لا ناقة فيها ولا جمل. 


أخي ضابط الشرطة, لقد كنت تخوض المعارك من أجل أن تزيد ملياراتهم في أرصدتهم في الخارج, وحين انهارت الدولة وجدت نفسك وحدك محاصرا في قسم أومديرية وحولك ألوف من الغاضبين من بني قومك, فلا تسمح لأحد باستغلالك كي لا يتكرر هذا المشهد. 


أخي ضابط الشرطة, أنت موظف في الدولة, ولك كل الاحترام, وهذه الدولة ملك للجميع, ومهماتك في هذا الجهاز مصانة بالقانون, فاعتصم بالقانون, ولا تخالفه مهما حدث. ستعيش شريفا, وسعيدا, وستموت راضيا مرضيا. 


سيقول لك البعض وأنت تحرس لجان الانتخابات كلاما قيل لك قبل ذلك, أرجوك... لا تصدق هذا الكلام لأنك اكتشفت كذبه. 


أخي ضابط الشرطة, كل من يأمرونك بمخالفة القانون كاذبون, وكل من يقنعونك بأنك مضطر لتنفيذ الأوامر ضد سيادة القانون كاذبون. أخي ضابط الشرطة... لا تصدقهم...!