لهذه الأسباب نسيء الظن في المجلس

2011-09-24

المقال منشور بجريدة الأهرام 24-9-2011 م 


نحن نتحدث عن الأسباب التي تدفعنا لإساءة الظن في المجلس الأعلي للقوات المسلحة بشأن وفائه بتعهداته المتعلقة بتحقيق مطالب الثورة‏,‏ وبشأن الانتقال السلمي للسلطة‏,‏ والتحول الديمقراطي‏,‏ وتسليم السلطة لمن يختاره الشعب‏.‏ 


وهذه المقالة تأخرت في كتابتها, حيث إنني كلما أقبلت عليها أجد الأسباب التي تدفعنا لإساءة الظن في المجلس العسكري قد زادت, وأنا اليوم أكتبها ولا أدري هل ستزيد هذه الأسباب غدا, أم ستظل كما هي.


 لذلك لن أدخل في التفاصيل, ولكن سأحاول أن أتحدث في العموميات مع ضرب بعض الأمثلة. 

 

السبب الأول: إصراره علي التمسك برجال مبارك, برغم العواقب الواضحة لهذا الأمر. فلا يوجد عاقل في الأرض يتمسك برئيس وزراء مبارك (الفريق أحمد شفيق) لعدة أسابيع إلا إذا كان لا يعرف معني قيام ثورة في البلاد. 


أذكر أن أحد أعضاء المجلس الموقر ظهر في أحد البرامج المتلفزة وقال: (ما المشكلة في أن من عين شفيق هو مبارك؟), ثم أردف قائلا: (من صدق علي ترقيتي لرتبة لواء هو مبارك, فهل معني ذلك أنني لم أصل لهذه الرتبة؟).! 


وهذا أمر غريب, فنحن لا نشكك في رتب السادة أعضاء المجلس, لأنهم حصلوا عليها نتيجة جهدهم, وكان ذلك قبل قيام الثورة, أما السيد الفريق شفيق فقد عين في موقعه بعد الخامس والعشرين من يناير, بل بعد الثامن والعشرين من يناير! 


أي أنها وزارة شكلت ليتمكن الرئيس المخلوع من إجهاض هذه الثورة والالتفاف علي مطالبها. قد أفهم أن المجلس لم يفهم هذه الرسالة في البداية, ولكن كنا نتوقع أن يدرك المجلس خطأه بعد أن تبين له أن هذه الفترة تم فيها تهريب عشرات المليارات من أموال مصر, وتم خلالها إتلاف آلاف الأدلة التي توصلنا للجناة الذين قتلوا الثوار, وإلي غير ذلك من الويلات التي تمت خلال هذه الأسابيع, ولكن مع الأسف استمر المجلس في منهج التمسك بالساجدين لمبارك المسبحين بحمده. 


السبب الثاني: تفتيت الشارع وقد أصبح من الواضح أن المجلس يمارس نفس ما مارسه الرئيس أنور السادات من خلال ضرب التيارات بعضها ببعض, وهي لعبة خطرة من الممكن أن تحرق الأخضر واليابس في ظرف مهيأ للاشتعال. 


السبب الثالث: توجيهه للإعلام صحيح أن الأمر لم يكن واضحا في البداية, ولكنه الآن وبعد أن كشرت وزارة الإعلام المصرية عن أنيابها أصبح الأمر أوضح من أن يوضح. 


السبب الرابع: إصراره علي بقاء الانفلات الأمني وأكثر ما يدل علي ذلك هو الإهمال المتعمد لجميع الرؤي والأفكار والاقتراحات التي قدمت من أجل إصلاح وزارة الداخلية, وكذلك ترك الضباط الملوثة أيديهم في أماكنهم, وقد تجلي ذلك في حركة ضباط الشرطة التي هلل لها الإعلام ثم تبين أنها سراب يحسبه الظمآن ماء. 


السبب الخامس: مخالفته للإعلان الدستوري لن أتحدث عن تعديلات أدخلت علي الإعلان الدستوري, وسأعتبر ذلك أمرا من الممكن التغاضي عنه, ولكن ما لا يمكن التغاضي عنه, هو إهدار هذا الإعلان في مسألة مد حالة الطوارئ حتي يونيو 2012 لقد سحبت الأمة حق إعلان الطوارئ من الحاكم وأعطتها للأمة, وقيدتها بستة أشهر, والمجلس الآن يريد بمنتهي البساطة أن يقنعنا أنه يدرك أبعاد الدستور أكثر من كل المتخصصين, بما في ذلك الشخص القائم علي إصدار هذا الإعلان الدستوري, المستشار طارق البشري, الذي قال إن حالة الطوارئ قد انتهت بنص الإعلان الدستوري. 

 

السبب السادس: الإصرار علي التعتيم علي آلية اتخاذ القرار نحن لا نعرف كيف يتخذ القرار في مصر, وهذه سمة لازمة لعهد مبارك, فكل القرارات كبيرها وصغيرها, وكل المسئولين الذين استمروا والذين أقيلوا, لا نعرف حيثيات كل هذه القرارات. 

 

السبب السابع: استخدام نفس أساليب التشكيك والتخوين وهذا أمر لا يستخدمه إلا من يضمر الشر, وقد خرج علينا الإعلام منذ فترة متحدثا عن تقرير عن تمويل لبعض المنظمات المصرية, ثم اختفي الموضوع, والسبب أنها اتهامات بلا دليل, تخرج من جهة لا مصداقية لها. 


السبب الثامن: الخضوع للضغوط الخارجية وقد اتضح ذلك عند قتل جنودنا علي الحدود مع إسرائيل. في الختام, أحب أن أنبه إلي أن من يراهن علي أن يسيطر علي كل شيء يراهن علي الوهم, ويقرأ المعادلة بشكل خاطيء, لأن المعادلة قد تغيرت, وأصبح هناك رقم لا يمكن تجاوزه. 

 


هناك ملايين من المصريين يبدون مستعدين لنزول الشارع مرة أخري من أجل الثورة, ويعتبرون الثورة لم تنته, وأننا لم ندخل في المرحلة الانتقالية بعد, وأنها ستبدأ بعد أن ينتخب المصريون برلمانا ورئيسا. يا أهل النهي, ارحموا هذا البلد من أن ينجر إلي ما لا تحمد عقباه, وانصحوا المجلس أن يسمع الآراء, لأنه يسمع لأسوأ من يمكن أن يشيروا عليه. اللهم إني قد بلغت, اللهم فاشهد...