وهم يسمي‏:‏ إجهاض الثورات العربية

2011-10-15

المقال منشور بجريدة الأهرام 15-10-2011 م 

 

سأتحدث عن ثورة يناير‏,‏ وكل ما ينطبق علي ثورة يناير ينطبق علي الثورات العربية الحديثة‏.‏ يظن البعض أن الثورة المصرية لم تنجز شيئا‏,‏ وأن المجتمع والدولة والناس ستظل كما هي‏,‏ وأنه لا جديد تحت الشمس‏,‏ اللهم إلا بعض التعديلات الشكلية التي لا تقدم ولا تؤخر في جوهر سير الأحداث‏,‏ أو شكل الدولة‏.‏ 

 

يظن بعض من آلت إليهم الأمور أن بإمكانهم أن يتحايلوا علي القدر, وأن يوقفوا عجلة التاريخ, وأن يعيدوا عقارب الساعة إلي الوراء, وأن يجمدوا الكون والحياة والبشر بحيث يبقي الوضع علي ما هو عليه. 

 

وأنا أقول بكل ثقة: هذا وهم, سببه الاعتداد بالقوة, وقسوة القلب, وعدم الاتعاظ بالأحداث, سواء التاريخية, أو الحالية. هذا الوهم سببه باختصار, أن الإنسان بعد سن معينة يعجز عن التكيــف مع الجديد, ويظل أسير الماضي, ولهذا خلق الله سبحانه وتعالي الموت, لأن الإنسان ليس مخلوقا قادرا علي التطور إلي الأبد, بل يصل إلي سن الشيخوخة, ويصبح عاجزا عن فهم الجديد, وحتي إذا أراد أن يتطور, تقف أمامه الكثير من العقبات البيولوجية التي تمنعه. 

 

لقد قطعت مصر مسافة كبيرة حين ثارت, وهذه المسافة لا يمكن التراجع عنها, ومهما حلم الحالمون بأن ينسي المصريون معني الحرية الذي ذاقوه خلال ثورتهم, أو أن ينسوا معني أن يشاهدوا وزراء في السجن, أو أن يشاهدوا رئيسا جثم علي أنفاسهم ثلاثين عاما وهو ملقي في قفص الاتهام, هذه الأحداث لا يمكن أن تنسي, لقد نقشت في الذاكرة الجمعية للأمة, ومحاولة تجاوزها وكأنها لم تحدث تدل علي ضعف في العقل, وتبلد في الفكر, وغشاوة علي القلب. 

 

لقد حدثت أحداث كبيرة في تاريخنا العربي, مثل أحداث الفتنة الكبري, وظن بعض المؤرخين أن الإسلام قد انكسرت شوكته, ولكن ما حدث كان غير ذلك, فقد ظل الإسلام ينتشر, وظل الناس يدخلون في دين الله أفواجا, ومرت الفتنة بخسائرها المحدودة, وها نحن الآن علي دين الإسلام بالرغم من انتحال المبطلين, وتأويل الجاهلين. 


بعض الناس يظن أن مصر سوف تنقرض بسبب الانفلات الأمني, أو بسبب توقف عجلة الإنتاج, وهذا أيضا وهم. 


لقد تمكن الشباب الثائر من قيادة المجتمع إلي هذه الثورة بالرغم من عدم وجود آليات للعمل المنظم تمكنهم من العمل عملا منهجيا يؤدي إلي الثورة, وفي النهاية نجحوا في تثوير المجتمع المصري. 

اليوم, أصبح عدد الشباب العاملين في السياسة أضعاف أضعاف عددهم قبل الثورة, وهذا الشباب يملك من أدوات العمل المنظم أضعاف ما كان يملكه قبل ثورة يناير المجيدة, لذلك ستظل مصر تتقدم, وستتحقق أهداف الثورة واحدا تلو الآخر, شاء من شاء, وأبي من أبي. 


إن بعض مؤسسات القوة الموجودة في المجتمع, والتي يظن البعض أنها ستقف ضد الثورة, غالبية من فيها في حقيقة الأمر مع الثورة, وشباب هذه المؤسسات ينظر لشيوخها علي أنهم قد أدوا ما عليهم ويجب أن يستريحوا, وشيوخ هذه المؤسسات يعلمون جيدا أن شباب هذه المؤسسات ليس طوع أمرهم, وأنهم قد يتمردون إذا تجاوز الكبار حدا معينا, لذلك سوف تحدث سنة الله من التدافع المحمود الذي يؤدي في النهاية إلي سير القطار إلي محطته. 


إن طعم الحرية الذي ذاقه المصريون لا يمكن أن ينسي, صحيح أن بعض المصريين قد يفضلون طعم الخبز عليه, ولكن ذلك لا يعني أن المقاتلين في سبيل دوام طعم الحرية ليسوا بمستعدين للقتال لكي يديم الله عليهم هذه النعمة. 


لذلك, ستبقي هناك مشكلة كبيرة عند كل من يحلم بإجهاض هذه الثورة, وهي أن أعداد المعارضين في مصر كانت تملأ بالكاد سلم نقابة الصحفيين, أما اليوم فهي بالملايين مهما فعلوا. 


إن طريق المصريين للحرية ليس معبدا, بل هو طريق مليء بالمشاكل والمطبات الطبيعية والصناعية, ولكن ذلك كله لن يوقف المسيرة, بل سيحفزها لتسرع أكثر وأكثر. 


إن نجاح ثورة الخامس والعشرين من يناير حتمي, فهي تحمل كل مؤهلات النجاح, والتاريخ والواقع يشهدان بذلك, وما نحاول أن نفعله الآن هو أن تقف الثورة في خطوتها التالية في وضع ديناميكي يمكنها من التحرك بسرعة إلي الأمام, بدلا من أن تقف في موقعها لوقت أطول مما يلزم. 


إنها مسيرة قد بدأت, ومن الصعب أن تنتهي في منتصف الطريق, فهناك جيل كامل( أو شبه كامل) يرتبط مسار حياته بنجاح هذه المسيرة. 


أما أعداء هذه المسيرة, فسوف يستمرون في حربهم, وسوف يحققون بعض النجاحات, ولكنها نجاحات من يلفظ أنفاسه الأخيرة, نجاحات عجل سقط وكثرت سكاكينه, وغاية ما يستطيعه أعداء هذه الثورة أن يعطلوا المسيرة قليلا, لا أكثر. والأيام بيننا...