حرية الفكر‏..‏ وحرية الكفر

2011-11-05

المقال منشور بجريدة الأهرام 5-11-2011 م 


مصر اليوم مطحونة بين تيارين‏,‏ كلاهما يتصرف برعونة الأطفال‏,‏ وكلاهما يري أن مصر لا تتسع إلا له فقط‏,‏ وكلاهما لا يري في مصر إلا ذاته المتضخمة‏,‏ هذه الذات التي تورمت حتي أصبحت عبئا علي صاحبها‏,‏ وعلي المجتمع‏,‏ وعلي الدولة‏.‏ 


نحن أمام تيارين كلاهما يريد خدمة الوطن, وأن يري مصر متقدمة عزيزة, يعيش أبناؤها في عدل وخير, ولكن كل منهما يريد أن يسلك طريقا معينا, ويريد أن يأخذ البلد( كله) في هذا الطريق, بغض النظر عن مدي الاتفاق أو الاختلاف حول صلاحية أو جدوي أو طول وقصر هذا الطريق. نحن أمام تيارين, التيار الليبرالي أو العلماني( سمه ما شئت), والتيار الثاني هو التيار الإسلامي( سواء تحدثنا عن السلفيين أو الإخوان أو غيرهم). 


وفي بداية حديثي لا بد من التذكير بأن كل كلامي له استثناءات لا تخفي علي القارئ اللبيب, وبأن ما أقوله ليس موجها ضد حزب أو فئة أو شخص بعينه. 

 

التيار الليبرالي يتناقض مع ذاته حين يطالب الجميع بالحرية, ولكنه يحرم التيار الإسلامي من هذه الحرية, فتراه يتحدث عن حرية لليبراليين فقط! 


حرية التعبير تصبح حرية التعبير عن الفكر الليبرالي, أو عن أي فكر شريطة أن لا يكون إسلاميا, فتري نبرة عداء للدين والتدين لا يتفق معها شخص عاقل, لأنك حين تتحدث في أرض الأديان, ومهد التدين, وحضن المتدينين( مصر), لا يمكنك إلا أن تحترم تدين هذا الشعب. 

 

إذا كنت ليبراليا يجب عليك أن تحترم الأفكار التي تعتبرها أنت متخلفة, فلا يحق لك أن تمنع أي شخص من أن يعتبر الفن حراما, أو أن يعتبر الغناء فسقا, أو أن يعتبر اللحية فرضا, لأن هذا( التخلف), عبارة عن أفكار, وهذه الأفكار لا يمكن أن ننتصر عليها إلا بالفكر والحوار, لا بالإقصاء واستعداء الدولة, وتخويف الناخبين من المشانق التي سوف تعلق في الطرقات إذا انتخب الإسلاميون. 


إن التيار الليبرالي يخسر كثيرا الناخبين حين يواجههم بموقف غير متصالح مع الدين, وحين يخسر هذا التيار تخسر مصر, لأن مصر تحتاج إلي تيار ليبرالي قوي, يساعد في دفع هذا البلد إلي الأمام, ويساعد في خلق توازن سياسي وفكري في الحياة السياسية والاجتماعية. 

 

هل يعقل أن أكون ليبراليا وأصادر علي حق الإسلاميين في دخول مجال السينما مثلا؟ أو أن أدعو إلي أي شكل من أشكال التمييز ضد المرأة المنتقبة؟ هل يعقل أن تصل درجة الفجر في الخصومة إلي التخوين والاتهام في الذمم( بدون دليل مادي)؟ الإسلاميون يرتكبون نفس الخطيئة, فتراهم( بكافة تياراتهم تقريبا) لا يحترمون الليبراليين أو العلمانيين, وتراهم يتعاملون معهم علي أنهم رجس ينبغي تطهير البلاد منه, وحين تتحدث مع أحدهم عن حرية الفكر, تراه يرد عليك ـ بمنتهي الرعونة ـ: هذه حرية الكفر, وليست حرية الفكر. 

 

ويتغافل هؤلاء عن أن الله سبحانه وتعالي قد كفل للناس حرية الكفر!, قال تعالي( وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا). 

 

صحيح أن الآية تحمل معني الوعيد, ولكن هذا الوعيد مؤجل إلي الدار الآخرة, فمن يختار الكفر سوف يحاسبه الله في الآخرة بالعقاب الذي ذكره في الآية الكريمة, ولا يحق لنا أن نحاسبه في الدنيا, إلا بضوابط معينة تتعلق بنشر الكفر في المجتمع, وحينها لن نحاسبه علي كفره بالله, بل سنحاسبه علي عبثه بالأمن الاجتماعي للأمة. 

 


إن كثيرا من أبناء التيار الإسلامي يرون في الفكر الإسلامي حاكما علي الأمة والبشر, ويتناسون أن تفسيرات هذا الفكر تخضع لسائر ما يخضع له الفكر البشري من الهوي والخطأ والتأثر بظروف الزمان والمكان. 

 

وليس أدل من ذلك سوي أن التيار الإسلامي نفسه يشتمل علي تفسيرات كثيرة جدا للنص المقدس, مما يؤكد حق الاختلاف في الشريعة, وحق الاختلاف مع الشريعة, وليس ذلك منة من الإسلاميين, بل هو أمر من صميم الإسلام, فهو الذي كفل للناس حق الإيمان به أو الكفر به! 


ستتقدم مصر حين يؤمن الليبراليون بحرية الفكر( بضوابطها), وحين يؤمن الإسلاميون بحرية الكفر( بضوابطها)! 


ملحوظة: وثيقة الدكتور علي السلمي بشأن الدستور ليست سوي قنبلة سياسية موقوتة, وهي علي وضعها الحالي إهانة للشعب المصري, وإهانة للجيش المصري, وحين تنفجر هذه القنبلة سيدفع الجميع ثمنا باهظا عافانا الله ـ حي الآن ـ من دفعه, إنها عقد إذعان علي أمة من حقها أن تحصل علي حريتها. حفظ الله مصر من أصحاب النيات السيئة, ومن بعض أصحاب النيات الحسنة