انتخابات غير سليمة

2011-11-12

المقال منشور بجريد الأهرام 12-11-2011 م 


تجربتي مع الانتخابات بدأت في دائرة مدينة نصر ومصر الجديدة عام‏1995,‏ وكان المرشح حينها في هذه الدائرة الزعيم الوطني العظيم الأستاذ عادل حسين رحمه الله‏,‏ وكان أمين عام حزب العمل‏(‏ الذي تم تجميده بأوامر أمن الدولة بعد ذلك بأعوام‏).‏ 


كان المنافس الحكومي الذي وقفت معه جميع أجهزة الأمن وجميع مؤسسات الدولة هو الدكتور عبدالمنعم عمارة, وكان رئيس المجلس الأعلي للرياضة علي ما أذكر. 


ما حدث, أن الأستاذ عادل حسين اكتسح التصويت, ولكن شاءت إرادة الله في اللحظات الأخيرة من الفرز أن تدخل مجموعة من الصناديق الممتلئة عن آخرها بأصوات لصالح مرشح الحزب الوطني عبدالمنعم عمارة, وهكذا تم( تقفيل) الدائرة, وكفي الله الشعب شر الانتخابات! 


خرج الأستاذ عادل للصحافة العالمية( لأن المحلية لم تكن لتنشر كلامه), وأعلن انسحابه, ووقف جواره غالبية المرشحين غير المنتمين للحزب الوطني, وحكي ما حدث, وكانت فضيحة, ولكن لم تكن لتغير من الأمر الواقع شيئا, وحظي السيد عمارة بالكرسي! 


لم نكن نتخيل أننا سنري أسوأ من انتخابات1995, وهو ما حدث في2010, وكان ذلك من أهم أسباب ثورة يناير. 


حقيقة الأمر أن مبارك لم يكن يجري انتخابات, فهذا الشيء الذي كان يحدث كل خمس سنوات لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يطلق عليه لفظ انتخابات, حتي لو أتبعت لفظ( انتخابات) بوصف( مزورة). الانتخابات تقتضي وجود ناخب, وهو لم يكن موجودا, سواء في كشوف الناخبين, أو حتي علي الطبيعة.


وتقتضي وجود نظام( سيستم), وهذا أيضا لم يكن موجودا, بل كانت الأمور تدار( بلدي). والانتخابات تقتضي أيضا وجود مشرف محايد, وهذا كان حلما بعيد المنال. وتقتضي أخيرا وجود رقابة محلية ودولية, وهذا أشبه ما يكون بالعنقاء. 

 

مبارك لم يزور انتخابات, لأنه لم يجر انتخابات أصلا, والانتخابات المزورة سنجريها للاسف نحن! لقد عرفنا أخيرا شكلا محددا للجداول الانتخابية, ولكن الجداول فيها العديد من المشاكل وتحتاج مراجعة, وكذلك وضعنا نظاما انتخابيا واضحا, ولكن عليه العديد من التحفظات والطعون, ووكلنا القضاء في الإشراف علي الانتخابات, ولكن عملية الإشراف تلك تحتاج إلي العديد والعديد من الضوابط لكي تؤدي غرضها, وستراقب الانتخابات محليا, ولكنها مراقبة ناقصة لأنها غير معضدة برقابة دولية, ولأن الرقابة المحلية يتوقع لها أن لا تتم بالشكل النموذجي الكامل, أما الرقابة الدولية فهي تدخل في الشؤون الداخلية, أو انتهاك للسيادة, حسبما يري السادة الممسكون بدفة القيادة, كل ذلك في كفة, والانفلات الأمني في كفة.

 


لهذه الأسباب فإن هناك شكوكا كبيرة حول مدي شرعية هذه الانتخابات وسلامة إجراءاتها. هل يعقل أن نحرم أكثر من10% من المصوتين من حق التصويت ؟ المصريون في الخارج عددهم أكثر من ستة ملايين, وهم محرومون من حق التصويت لأسباب واهية, ومحاولات إدخالهم في التصويت في اللحظات الأخيرة عليها ألف تحفظ وتحفظ. 


الشرطة محرومة من التصويت, لأسباب عنصرية, فالدولة تتعامل معهم وكأنهم خدم لا يحق أن يكون لهم رأي. 


النظام الانتخابي الذي اخترنا يحمل الكثير من المشكلات التي قد تؤدي إلي حرمان الشعب من اختيار من يحكمه, مثل طريقة تقسيم الدوائر التي لا تتيح للجميع فرصا متساوية في الدعاية والتعرف علي الناخبين, أو التعرف علي المرشحين, ومثل الجمع غير الحكيم بين نظامي القائمة والفردي. 


عدم تفعيل قانون الغدر يحمل أيضا قدرا كبيرا من إهدار إرادة الأمة التي ثارت علي عهد كامل من الكذب والزور, وتمكين هؤلاء القوم من دخول الانتخابات يشكل التفافا علي إرادة الناس التي أعلنوها في ميادين التحرير. 


إن الانتخابات البرلمانية القادمة غير سليمة لأن عليها من الشكوك والطعون ما يجعل استقامتها مستحيلا, كما أن الاستعجال في إجراءها جعلها أشبه ما تكون بعملية حجامة بدلا من عملية زرع كبد! لقد دخلنا مسرحية الانتخابات في عهد مبارك, وحققت الحركة الوطنية من خلالها إنجازات كبيرة, فاتضح للناس أن النظام عدو مبين للشعب. 

 

وأعتقد أن التصرف السليم الآن أن ندخل هذه الانتخابات برغم كل ما يحيطها من شبهات تجعلها إما مزورة, وإما باطلة دستوريا, وخوضنا للانتخابات سيحسن من شروطها مستقبلا, وكثافة التصويت ستمنع الكثير من البلاء الذي نخشاه, وستحد من الرشاوي والبلطجة ومظاهر أخري سلبية. 

 

إن دخول الشباب لمعركة الانتخابات, ودخول بعضهم للبرلمان, سيخلق قيادات سياسية مختلفة, هذه القيادات والكوادر هي التي ستصوب المسار, وهي التي ستحقق للأمة مرادها بالتدريج. خلاصة القول: هذه انتخابات غير سليمة, ولكن لا بد من خوضها, وسوف يتحقق بها ما نريد, برغم أنف من يريد أن يتحايل بها علي الشعب.